*فضيحة طلابنا في رواندا.. من المسؤول؟!*

*أحمد غباشي*
منذ عقود طويلة والسودانيون يغتربون خارج بلادهم ضاربين في أرض الله، من أجل الدراسة وتحصيل العلوم، أو من أجل العمل واكتساب العيش الكريم، وأحياناً فراراً من بطش الحكام المستبدين وحيفهم، وغير ذلك من الأسباب.. ولكن طيلة تلك الحقب، ظلت القيمة المتعارف عليها في جميع الدنيا، أن السوداني خارج بلاده متميز بتمسكه بقيم وأخلاق عُرف بها، وجعلته محل احترام وتقدير لدى كل تلك الشعوب التي يحل ضيفاً بديارها..
ما حدث في كيغالي عاصمة رواندا الأسبوع الماضي، كان بكل المقاييس حجراً كبيراً ضرب ذلك البرواز الجميل للصورة الزاهية التي رسمها السودانيون في وجدان تلك الشعوب ومخيلتها، على مر السنين، خاصة الأفارقة الذين يحملون تقديراً خاصاً للسودانيين، يجده كل من كتب الله له أن يزور بلداً إفريقياً..
فما الذي حدث؟..تقول الأخبار الواردة من هناك، أن السلطات الرواندية لجأت إلى اتخاذ قرار بإغلاق جامعة الخرطوم للعلوم الطبية، المشهورة في السودان باسم (جامعة مامون حميدة)، وطرد جميع طلابها، عقب احتجاج مواطنين روانديين على أعمال الشغب والفوضى العارمة التي أحدثها طلاب الدفعة (26) كلية الطب، كنوع من الاحتفال بانتهائهم من بحوث التخرّج، مخالفين بذلك قوانين الدولة المستضيفة، ومسببين الإزعاج للسكان، وبحسب ما نقلته مواقع إخبارية عن مصادرها، فإن السفارة السودانية بكيغالي توسطت لدى السلطات الرواندية، حتى وافقت بعد جهد جهيد وتعهدات، على الإبقاء على الجامعة وعدم إغلاقها، الأمر الذي دفع الجامعة بعد ذلك لإصدار قرار بإلغاء الامتحانات ومنع طلاب الدفعة 26 كلية الطب من دخول الجامعة، مايعني بالضرورة إبعادهم عن البلاد.
وبحسب الرواية التي أوردتها بعض المواقع الإلكترونية، نقلاً عن مصادرها، فإن هؤلاء الطلاب السودانيين “قاموا بنقل نمط الفوضى القبيحة التي كانوا يمارسونها في السودان خلال احتفالات التخرج بلا حسيب ولا رقيب.. فقد استأجروا مجموعة سيارات، زحموا بها طرقات المدينة، مطلقين صفير الأبواق دون توقف، والفتيات بداخلها قد أخرجن أنصاف أجسادهن العليا من نوافذ السيارات!!.. وهو نمط من الفوضى لم يألفه مواطنو تلك الدولة فاشتكوا لدى سلطات بلادهم، وطالبوا بإبعاد الجامعة، لولا تدارك السفارة للأمر.
ومهما يكن من أمر مطابقة الرواية لما حدث من شغب، أو عدم مطابقتها، فإن ما لا جدال فيه، أن نوعاً من الفوضى قد حدثت وبشكل غير مقبول أدى إلى إزعاج المواطنين!!..وهذا ما يثبته بيان إدارة الجامعة الذي وصف تصرفات الطلاب بأنها “غير مسؤولة” و”لا تمتُّ بصلة لأخلاق طلاب الطب”، وأنها “تسببت للجامعة بحرج بليغ مع سلطات دولة رواندا النظامية”.. وأكد بيان الجامعة أن تلك الأفعال “دامت لمدة يومين متتاليين، أثناء مناقشة البحوث”.. بل وأكدت إدارة الجامعة أن الطلاب “تلقوا تحذيرات متكررة من قبل عميد شؤون الطلاب”.
لا نقول إن السودانيين كانوا أكثر الشعوب تمسكاً بالأخلاق، كما يحلوا لكثير منا أن يدعي، فالسنوات الأخيرة والأحداث التي وقعت فيها، فضحت كثيراً من تلك الادعاءات، ولكن على الأقل خارج أرضنا، كانت تلك الصورة إلى وقت قريب سليمة من الانكسار والتحطم!!.
وفي أغسطس من العام الماضي أعلنت رواندا تقديم فرصة لحوالي 200 طالباً من طلاب الطب السودانيين من منسوبي جامعة الخرطوم للعلوم الطبية، لاستكمال دراستهم في رواندا، وفي مايو الماضي أعلن بروفيسور مامون حميدة رئيس الجامعة، عن ميلاد جديد لجامعته برواندا، وقال إنها تعتبر ملكاً لإفريقيا لتقوم بدورها في نشر العلم والمعرفة!!.. وبالفعل حصل 160 طالباً على هذه الفرصة، من بين أكثر من 3 آلاف طالب من طلبة الطب بالجامعة وأكثر 7 آلاف طالب من بقية طلاب الجامعة، فضلاً غيرهم من طلاب الجامعات الأخرى، ومع ذلك بهذا النوع من السلوك الفوضوي غير المسؤول، تسببت مجموعة منهم بعقاب جماعي لزملائهم الذين لم يشاركوهم، وبإشانة سمعة ستلازم طلاب السودان في رواندا وغير رواندا، وربما كل اللاجئين السودانيين في كل الدول الإفريقية.
من المسؤول عمّا حدث؟..هل هم الطلاب الذي فقدوا الإحساس بالمسؤولية الوطنية التي كانت تقتضي من تمثيل بلادهم أفضل تمثيل، بوصفهم نخبة متعلمة..أم هي إدارة الجامعة التي تراخت في حسم الفوضى، التي استمرت على مدى يومين متتاليين، حسب إقرارهم بألسنتهم، واكتفائها بالتحذير المجرد، رغم علمهم بأن ذلك السلوك مخالف لقوانين الدولة المضيفة؟!.. أم أن المسؤول هي الحالة الضبابية التي يعيشها السودان منذ خمس سنوات، وكان هؤلاء الشباب هم أحد إفرازاتها.. بل هم ضحايا استهتار قيمي شامل مارسته شلة العلمانيين التي سطت على إرادة السودانيين وادعت تمثيلهم بعد الثورة، وحكمتهم (تلبُّطاً واحتيالاً)؟!!.
وحقيقة الأمر أن خسائر السودان خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة، التي تسور فيها أولئك اللصوص من جماعة (قحت) وشراذم العلمانيين حوائط القيم والأخلاق، كانت كثيرة وكبيرة، فأولئك اللصوص المتغلبة قد سرقوا انفعالات الناس وأحلامهم، التي خرجوا إلى الشوارع يهتفون لها ويطالبون بها حتى حكم الله بزوال النظام وأصبح ينعت بـالبائد.. ولكن إولئك السُرّاق، سطوا على تلك الأحلام البسيطة وبدلوها بأسوأ الكوابيس.. فعاش السودان أسوأ سنوات الفوضى في كل شيء في السياسة، وفي الاقتصاد، والأمن، وفي التربية والأخلاق والقيم، فصارت العنجهية والتعاظم (ركوب الرأس)، وعدم احترام القيم والأخلاق والتمرد عليها، هو السلوك الثوري لدى قطاعات كبيرة من الشباب الذين تم تغييب وعيهم لاستثمارهم في الفوضى!.. تلك الفوضى كانت تحدث تحت سمع وبصر حكام السودان الجدد، وبل وبتشجيع منهم في كثير من الأحيان، وسعيٍ لتحويل تلك الأنماط الفوضوية إلى (أيقونات ثورية) وأصنام يمجدونها في خطاباتهم وهتافاتهم “الراستات” و “المجد للساتك”..
ورغم سقوط حكمهم المهترئ في 25 أكتوبر 2022م، واصل كهنة قحت في استثمار ذلك الخراب والخواء الذي أحدثوه في وعي الشباب وفي أخلاقهم، من أجل عودتهم للحكم مرة أخرى، فكان المزيد من الفوضى والمزيد من الحرائق اليومية التي لا تفتر، ومع كل تظاهرة تسقط قيم وتسحق أخلاق تحت أحجار المتاريس التي كانوا ينصبونها في الشوارع، ليعطلوا بها حياة الناس، ولا يحترمون صغيراً ولا كبيراً، ولا يشفقون على هرم ولا مريض مشرف على الهلاك.. وكان طبيعياً أن ينتهي ذلك الخراب اليومي إلى هذه الحرب التي لم تبق على شيء، فأكملت إشعال الحرائق في ماضينا، وحاضرنا، وكثير من المستقبل..
إن أسوأ ما سرقه أولئك اللصوص هو عقول أبنائنا التي استولوا عليها، وأخلاقهم التي سحقوها، بما غرسوه فيها من استهتار بكل القيم، وانعدام للشعور بالمسؤولية، وهذه لعمر الحق أسوأ السرقات لأنها تسرق المستقبل!!.



