أخبارسياسةكاتب ومقالمقالات

تمرد الدعم السريع.. حتمية الصد وأيلولة الحسم!

د. الفاتح عبد الرحمن محمد بشير

وضعت مليشيا الدعم السريع الجيش السوداني أمام خيار واحد لا ثاني له، وهو ضرورة التعامل مع المغامرة الانقلابية التي بادرت بها في الخامس عشر من أبريل 2023م، وهي ردة فعل طبيعية يتخذها كل من يتعرض لهجوم مباغت من أية جهة أخرى، لدفعه ودحره وقصقصة أجنحته، حتى لا يقوم بتكرار ذات الفعل مستقبلاً، وهذا بالتأكيد حق مشروع لا ينبغي أن يقابل بأي انتقاد أو تعنيف من أية جهة محلية أو إقليمية أو حتى دولية بالضرورة، وهذا ما لم يحدث للأسف، فقد انبرت جميع الأصوات من شتى الأصقاع، بتعنيف الجيش السوداني على فعلته تلك (رد العدوان) بل واتهامه بأنه ينفذ أجندة الكيزان الخفية من وراء هذه الحرب، وهي محاولة العودة لأضواء السلطة وتصدّر المشهد السوداني من جديد.
وكون ردود الأفعال المترتبة على تمرد مليشيا الدعم السريع على الجيش السوداني قد أتى معظمها مجحفاً ومتحاملاً على الأخير، إلا أن ذلك لم يمنع الجيش من الرد والردع بقوة وحسم دون الإخلال بالمسارات الأخرى التي فرضها وضغط بها المجتمع الدولي عليه، لمحاولة إنقاذ ما تبقى من المليشيا المندحرة التي ثبت أن جل القوى المدنية بالداخل، وكل المجتمع الدولي بالخارج، يقف داعماً ومسانداً لها، فكان أن ذهب الجيش لمفاوضة متمردي الدعم السريع في جدة على بنود محددة رأى أنها لا تخل بموقفه الميداني، بل تأتي مساندةً له؛ فتوفير غطاء إنساني لإجلاء المدنيين ومدهم بحاجاتهم الضرورية، يأتي ذلك متسقاً مع أخلاقياته التي تضع سلامة المدنيين في المقدمة، بخلاف المليشيا التي تفننت خلال هذه الحرب في إذلال وترويع المدنيين، والتنكيل بهم، واغتصابهم، ونهب ممتلكاتهم، في مخالفة صريحة لقواعد الاشتباك التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني وقت الحرب.
كما أن الكم الهائل من الهدن التي وافق عليها الجيش والتي جاء معظمها بطلب من الطرف الآخر (مليشيا الدعم السريع) أو بضغط من المبادرة السعودية الأمريكية التي تمثل المجتمع الدولي، والتي يبدو أن الهدف منها في الأغلب كان لإعطاء الفرصة للمليشيا المتمردة لالتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف، فهي أشبه بالوقت المستقطع الذي يطلبه مدرب الفريق المنهار خلال مباريات الكرة الطائرة أو كرة اليد، لإتاحة الفرصة لفريقه للتماسك والعودة لأجواء المباراة من جديد، ولكسر حماس الفريق الآخر الذي إن واصل بذات الوتيرة، فستكون له الغلبة بالتأكيد، وعلى الرغم من عدم التزام المليشيا المتمردة بأية هدنة معلنة أو غير معلنة، إلا أن الجيش كان منضبطاً لأقصى درجة، بحيث لا يضطر لخرق الهدنة إلا للرد على مغامرات الدعم السريع الفاشلة (مهاجمة القاعدة الجوية بوادي سيدنا، والذخيرة وغيرهما) ثم لا يلبث أن يلتزم بمسارات هذه الهدن التي لم تلتزم بها مليشيا الدعم السريع مطلقاً.
من جهة أخرى وبعد تيقن من يقف خلف المليشيا المتمردة باستحالة الانتصار على الجيش بعد فشل المخطط، طفقت جميع القوى المدنية والقنوات الفضائية المتحاملة على الجيش والمجتمع الدولي بكافة أشكاله وأنماطه، مسخرين كل أبواقهم الإعلامية بجميع المنصات، للترويج بأن لا رابح في هذه الحرب العبثية (كما يقولون)، وأنه من الاستحالة بمكان انتصار طرف على طرف فيها، وذلك في محاولة أخيرة لإنقاذ المليشيا المتمردة من الدحر والسحق الذي بدأت بشائره تلوح في الأفق بمشيئة الله تعالى، متناسين أن العقيدة القتالية التي يخوض بها الجيش هذه المعركة، غير قابلة للتراجع والانكسار، ومتناسين كذلك أن كل محاولات التمرد على الجيوش النظامية في جميع الدول، لا تنتهي إلا بالسحق وتكسير العظام، فلا توجد مليشيا متمردة في جميع أنحاء العالم استطاعت التغلب على جيش الدولة النظامي واستلام مقاليد السلطة منه أو العودة لما قبل التمرد، وغاية ما تصل إليه هو الخروج الآمن وبأقل الخسائر، هذا إن لم يتم الزج بمدبريها خلف القضبان، أو التعرض لمحاكمات عسكرية تنتهي غالباً بالتصفية الجسدية، أو الحكم بالنفي خارج حدود الوطن. أما الدعم السريع فلا يبدو أنه يملك عقيدة قتالية واضحة في معركته ضد الجيش، فهو مليشيا عشائرية قامت وتمددت لأجل رجل واحد، ولتحقيق هدف واحد، هو الانفراد بحكم السودان، لذلك كان لا بد أن تنتهي هذه النهاية الحتمية، وتؤول هذه الأيلولة الطبيعية.
معركة الجيش السوداني ضد مليشيا الدعم السريع المتمردة، معركة مشروعة ولتحقيق هدف مشروع هو القضاء على هذا التمرد، وستنتهي بانتصار صاحب الغلبة وعلو الكعب، صاحب المبادئ والأخلاقيات، وهو الجيش السوداني الذي يعبّر عن طموح وآمال الشعب السوداني في الحرية والانعتاق من عبودية الخارج التي يبدو أننا نسير بخطى ثابتة نحو التحرر الكامل منها، تاركين لأبواق الحرية والتغيير وجميع المنتكسين ومن يقف خلفهم من الخارج، البكاء والعويل.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى