أزمة التطبيقات البنكية في السودان.. استهتار من البنوك أم تهاون من الدولة؟

تقرير: الطابية
لم يعد التطبيق البنكي في السودان مجرد وسيلة إضافية لإدارة الحساب، بل تحول، في ظل ندرة السيولة واتساع التعاملات الرقمية، إلى شريان رئيسي للحياة اليومية.
شراء سلعة، دفع فاتورة، تحويل أموال إلى قريب، سداد أجرة أو إرسال قيمة معاملة عاجلة؛ كلها أصبحت مرتبطة بضغطة على شاشة الهاتف.. ولذلك فإن تعطل التطبيق المصرفي لم يعد عطلاً تقنياً بسيطاً، وإنما يتحول سريعاً إلى تعطيل لمصالح الناس وأموالهم.
وتجددت هذه المشكلة بصورة لافتة خلال الفترة الأخيرة مع الاضطرابات التي شهدها تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم، حيث واجه مستخدمون صعوبات في الدخول وتنفيذ التحويلات والوصول إلى الحسابات، وتسبب ذلك في أزمة للأسواق التجارية، قبل أن يعتذر البنك عن «تذبذب» الخدمة ويؤكد أن فرقه الفنية تعمل على معالجة التحديات وتعزيز استقرارها.
المشكلة هنا ليست في حدوث عطل تقني؛ فالأعطال واردة في أي نظام إلكتروني. المشكلة أن تستمر الأعطال وبطء الشبكة لفترات طويلة تتجاوز الشهر!.. المشكلة في أن المواطن أصبح يعتمد على هذه الأنظمة اعتماداً يكاد يكون كاملاً، بينما لا تزال بعض الخدمات المصرفية الإلكترونية تعمل بمنطق الخدمة الإضافية، لا باعتبارها حقاً أساسياً للعميل مقابل أمواله وعلاقته بالمصرف.
العميل يدفع.. فمن يحمي حقه؟
عندما يفتح المواطن حساباً مصرفياً ويضع أمواله في البنك، ثم يجد أن التطبيق لا يعمل أو يعاني بطأ. ً شديدًا أو يحتاج إلى تحديثات متكررة أو يتعذر عليه إجراء معاملة عاجلة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: ما مستوى الخدمة الذي يلتزم به المصرف تجاه العميل؟
وتزداد المشكلة لأن الخدمة الرقمية مرتبطة غالباً بهاتف ذكي واتصال مستقر بالإنترنت. وهذا يعني أن الوصول إلى المال نفسه أصبح مشروطاً بامتلاك جهاز مناسب، وشريحة تعمل، وشبكة إنترنت مستقرة، وتطبيق محدث، وخوادم مصرفية متاحة.
أي أن المواطن الذي كان يستطيع، في النظام المصرفي التقليدي، الوصول إلى حسابه عبر فروع أو بطاقات مصرفية أو قنوات متعددة، أصبح في بعض الحالات رهينة سلسلة تقنية كاملة. وإذا تعطلت حلقة واحدة منها، تعطلت الخدمة كلها.
التحويل بين البنوك.. خدمة أم سوق للعمولات؟
المفارقة الأكبر تظهر عند التحويل من بنك إلى آخر.
فقد أصدر بنك السودان المركزي منذ ديسمبر 2024 توجيهات واضحة للمصارف بتطوير تطبيقاتها وإتاحتها على مدار الساعة، وربطها فوراً بمنصات الربط البيني بما يسمح بالتحويل بين حسابات عملاء المصارف المختلفة. كما حدد آنذاك سقفاً للتحويل بين التطبيقات المصرفية، وألزم المصارف بإدارة السيولة بما يضمن استقرار الخدمة والتسويات اليومية.
لكن وجود الربط على الورق لا يعني بالضرورة أن تجربة العميل أصبحت سلسة!.. فالتعاملات بين البنوك قد تواجه اختلافاً في الرسوم، وصعوبة في الإجراءات، وحدوداً مختلفة، وتعقيدات لا يجد لها العميل تفسيراً واضحاً.
ويكفي أن تتباين تكلفة التحويل من مصرف إلى آخر حتى يصبح العميل أمام سؤال بسيط: لماذا أدفع رسماً مختلفاً لمجرد أن الطرف الآخر يتعامل مع بنك مختلف؟.
وتوضح التعرفة المنشورة على موقع بنك الخرطوم أن التحويل إلى بنك آخر عبر «بنكك» يخضع لرسوم متفاوتة بحسب قيمة التحويل، بينما توجد في السوق خدمات أخرى مثل «فوري» يشتكي مستخدمون من رسوم مرتفعة في بعض المعاملات، تصل، وفق شكاوى متداولة، إلى نحو ألف جنيه للعملية. وفي المقابل.. لماذا لا تتدخل الدولة في تحديد تعرفة موحدة لعمولات التحويل البيني عبر التطبيقات البنكية وتلزم بها كل البنوك؟.
المطلوب هنا ليس بالضرورة إلغاء الرسوم، وإنما توحيد قواعدها وشفافيتها؛ بحيث يعرف العميل مسبقاً كم سيدفع، ولماذا، ومن يحدد الرسوم.
أين الدولة؟
هنا ينتقل السؤال من المصارف إلى بنك السودان المركزي.
فالبنك المركزي ليس مجرد جهة تصدر منشورات تقنية؛ بل هو الجهة التي يفترض أن تضع قواعد المنافسة وحماية العميل واستقرار أنظمة الدفع.
والمنشور الصادر في فبراير 2026 بشأن التحويلات عبر التطبيقات يؤكد أن التنظيم يشمل التحويلات داخل التطبيق الواحد وبين التطبيقات المختلفة، ويخضعها لضوابط موحدة على مستوى النظام المصرفي.
لكن المطلوب اليوم يتجاوز إصدار المنشورات إلى الرقابة الفعلية على تنفيذها.
ينبغي أن يعرف العميل الحد الأدنى المضمون من إتاحة الخدمة، وآلية التعويض عند تعطلها، والمدة القصوى لمعالجة العمليات المعلقة، وقواعد واضحة للرسوم، وسقف موحد أو منضبط للتحويلات البينية، وآلية سريعة للشكاوى.
كما ينبغي منع أي وضع يجعل تطبيقاً بعينه شبه محتكر للسوق بسبب سهولة انتشاره، بينما تصبح التحويلات إلى البنوك الأخرى أكثر كلفة أو تعقيداً. فالمنافسة الحقيقية لا تعني تعدد التطبيقات فقط، وإنما أن يستطيع العميل نقل أمواله بين البنوك بسهولة وأمان وتكلفة معقولة.
أين البطاقة المصرفية؟
وهنا تبرز علامة استفهام أخرى أكبر: أين البطاقة المصرفية؟
لماذا لا تكون لدى المواطن قناة بديلة مستقرة للوصول إلى أمواله عند تعطل التطبيق أو انقطاع الإنترنت؟ ولماذا لا تصبح البطاقات وأجهزة نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي جزءاً أساسياً من منظومة الدفع، بدلاً من الاعتماد المتزايد على الهاتف والإنترنت؟
التحول الرقمي لا يعني استبدال كل الوسائل بوسيلة واحدة. النظام المصرفي الأكثر أماناً هو الذي يوفر تعدد القنوات: تطبيق، بطاقة، صراف آلي، نقاط بيع، خدمة مصرفية إلكترونية، وقنوات بديلة عند الطوارئ.. ربما تكون بعض القنوات محفوفة بالمخاطر بسبب الانفلات الأمني مثل الصراف الآلي، ولكنها مسؤولية الدولة، ثم ماذا عن بقية القنوات؟!.
المواطن لا يريد من البنك اعتذاراً بعد كل مرة تتعطل فيها الخدمة بقدر ما يريد نظاماً لا تتوقف حياته بتوقف تطبيق.
وفي بلد أصبحت فيه الأموال الإلكترونية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لم يعد: هل نتحول إلى الدفع الإلكتروني؟ بل: هل نبني نظام دفع إلكتروني يحمي المواطن، أم نطلب من المواطن أن يتحمل كلفة أخطاء النظام؟
المسألة في النهاية ليست «بنكك» وحده، ولا «فوري» أو «أوكاش»، ولا أي تطبيق آخر. إنها قضية ثقة في الجهاز المصرفي كله. وهذه الثقة لا تُبنى بكثرة التطبيقات، وإنما باستقرارها، ووضوح رسومها، وسهولة الربط بينها، ووجود بدائل حقيقية، ورقابة مصرفية تضع حق العميل في مقدمة قواعد اللعبة.



