مجلس الأمن بين منطق العدل والعدالة الأمريكية.. وقف الحرب أم تقييد الدولة؟

أحمد غباشي
دخل ملف الحرب السودانية مرحلة أكثر حساسية داخل مجلس الأمن، مع طرح الولايات المتحدة، خلال الجلسة التي عُقدت أمس الاثنين، مقترحا لتوسيع نظام حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، وإدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن القيود، إلى جانب تعزيز فريق الخبراء المكلف بمراقبة العقوبات.
وتأتي الخطوة الأميركية في توقيت دقيق، لأن حظر السلاح المطبق حاليًا مرتبط أساساً بدارفور، ومن المقرر أن ينتهي في 12 سبتمبر المقبل ما لم يتوصل المجلس إلى اتفاق بشأن تمديده أو تعديله. وبالتالي فإن واشنطن تريد استغلال الفرصة، لا لتطرح مجرد تمديد للنظام القائم، وإنما إعادة تعريف لنطاقه الجغرافي وطبيعة الأسلحة التي يشملها.
مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، لم يخرج عن نصه المعتاد. طرحه لتوسيع حظر السلاح ليشمل الجيش السوداني والمليشيا معاً، تحت شعار “وقف تدفق السلاح”، يعيد إنتاج الفكرة القاتلة التي طالما روج لها: أن السودان يشهد حرباً بين طرفين متكافئين، وأن الحل يكمن في تجريدهما معاً من السلاح، بغض النظر عن أن أحدهما مؤسسة دستورية تحمي المدنيين، والآخر مليشيا متهمة بإبادتهم.
هذه المقاربة، التي تبدو محايدة في ظاهرها، هي في حقيقتها انحياز صارخ. فحين تخضع الدولة والمليشيا للقيود نفسها، بينما تستمر شبكات إمداد المليشيا العابرة للحدود في العمل دون رادع، فإن النتيجة العملية الوحيدة هي تقييد قدرة الجيش على الدفاع عن شعبه، وترك المليشيا حرة في التزود بالسلاح عبر ممرات لا تراقبها قرارات مجلس الأمن.
الموقف السوداني أمام المجلس كان واضحاً: المشكلة ليست في وجود السلاح داخل السودان، بل في مصادر السلاح غير المشروع التي تصل إلى المليشيا. ومن هذه الزاوية، فإن فرض حظر شامل على الجيش والمليشيا معاً، بينما تستمر الإمدادات الخارجية للمليشيا بلا رقيب، هو وصفة جاهزة لإضعاف الدولة وتقوية المليشيا.
والأمر لا يتعلق فقط بالسلاح. فالمطالبة بفرض حظر طيران على مناطق سيطرة الجيش والمليشيا معاً تعني، في الواقع، شل قدرة الجيش على استخدام طيرانه ومسيّراته في عمليات تحرير المدن وحماية المدنيين. بينما ستظل مسيّرات المليشيا، التي تصلها عبر التهريب والدعم الخارجي، تحلق بلا رادع. إنه اقتراح لا يخدم السلام، بل يخدم من يريدون إطالة أمد الحرب وتحويل السودان إلى ساحة صراع دائم.
لكن ما أنقذ جلسة الأمس من أن تكون مجرد مسرحية أميركية متوقعة، هو المواقف التي صدرت من دول رفضت الانسياق خلف الطرح الأميركي. مندوب باكستان وضع النقاط على الحروف حين طالب بـ”التمييز بين جيش وطني لدولة ذات سيادة وبين مليشيا متهمة بالإبادة الجماعية”. هذه العبارة ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل هي إدانة أخلاقية لكل من يساوي بين الضحية والجلاد.
ومندوب روسيا كان أكثر تفصيلاً حين كشف الفارق السلوكي بين الطرفين: “الجيش السوداني ينتقي أهدافه العسكرية، والمليشيا تستهدف تدمير البنية التحتية بشكل ممنهج، وليس من العدل المساواة بينهما”. هذا التمييز بين سلوك مؤسسة عسكرية تحترم القانون الدولي الإنساني، ومليشيا تمارس التدمير العشوائي، ينسف من الأساس أي منطق يدعو إلى معاملة الطرفين بالمثل.
أما مندوب مصر فكان حاسماً في رفضه “أي مقاربات تساوي بين مؤسسات الدولة الوطنية والمليشيات”، مطالباً بمنع تدفق السلاح والمرتزقة إلى المليشيا المتمردة. هذا الموقف المصري، إلى جانب الموقف السعودي الذي ندد بانتهاكات المليشيا، يشير إلى أن ثمة جبهة عربية وأفريقية تدرك خطورة السيناريو الأميركي.
المعطيات تشير إلى أن الطريق أمام المشروع الأميركي لن يكون سهلاً. فروسيا أبدت تحفظها على أي إجراءات قد تضعف الجيش السوداني، فيما تتطلب الموافقة على أي قرار تأييد تسعة أعضاء وعدم استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية لحق النقض. هذه المعادلة تمنح دولاً مثل روسيا والصين (ضمنياً) قدرة على عرقلة أي مشروع يكرس الظلم.
لكن المعركة الحقيقية ليست في عدد الأصوات، بل في طبيعة السردية التي ستُفرض على العالم. فهل تُروى قصة السودان على أنها حرب بين جيش ومليشيا، أم حرب بين دولة شرعية ومليشيا متمردة؟ وهل يُعترف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها، أم يُجرد هذا الحق بذريعة “الحياد” الزائف؟
من الواضح جدًا أن المجتمع الدولي، حتى الآن، يتجنب الاتفاق على تحديد؛ من هو الطرف المعتدي في هذه الحرب!
وبالنسبة للسودانيين، الإجابة واضحة كالشمس. جيشهم يدافع عنهم، والمليشيا تقتلهم وتدمر بلادهم. وأي حظر سلاح لا يفرق بين هذين الواقعين، هو حظر على حق السودان في الوجود، لا على الحرب. وهذه هي المعركة الحقيقية في أروقة مجلس الأمن: معركة بين من يريد للدولة السودانية أن تقوى، ومن يريد لها أن تختفي لصالح مليشيا تحلم بدويلة على أنقاض الوطن.



