محاكمة أم مسرحية؟.. قضية عتاد السودان في أبوظبي

تقرير: الطابية
من عجائب الزمان أن يلبس الجاني ثوب القاضي ليحاكم المجني عليه.. هذا عين ما تفعله أبو ظبي هذه الأيام، بعد أحاطت بخناقها أدلة تورطها في سفك دماء السودانيين.. حقيقة ليس مجازًا! .
أمس الخميس 6 أغسطس 2026، أجلت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية النظر في ما يعرف في إعلامها بـ”قضية العتاد العسكري للسودان”، والتي تحاكم فيها أبو ظبي 13 متهماً، بينهم عدد من السودانيين وعسكريين إماراتيين، بالإضافة إلى 6 شركات، بتهم الاتجار غير المشروع بالعتاد العسكري وغسل الأموال والوساطة والسمسرة وتزوير المحررات.
تقول أبو ظبي أن المتهمين استغلوا أراضيها لتمرير صفقة أسلحة وعناد عسكري لصالح الجيش السوداني عن طريق تزوير المستندات والمحررات، مما أدى إلى تشويه سمعتها ناصعة البياض!.
وتكيل نيابة أبو ظبي التهم لمن تسميها الشبكة؛ “الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري” و”التزوير” و”غسل الأموال”، وزعمت أن ذلك تم من خلال صفقتين: الأولى بقيمة 13 مليون دولار تضمنت أسلحة وذخائر، والثانية بقيمة مليوني دولار لشحنة 5 ملايين طلقة وصلت على متن طائرة خاصة بوصف مضلل بأنها “مساعدات إنسانية”.
مفاجآت.. مفاجآت
لكن المفاجأة المدوية في هذه القضية لم تكن في حجم الأدلة ولا في عدد المتهمين، بل في الادعاء الصادم الذي ساقته النيابة؛ أن صفقات العتاد تمت بطلب من لجنة التسليح بالجيش السوداني برئاسة عبد الفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، وبتنسيق من عثمان الزبير، المسؤول المالي بسلطة بورتسودان.
والمفاجأة الثانية هي أن قائمة المتهمين التي قدمتها النيابة تضم الفريق أول ياسر العطا عضو مجلس السيادة ورئيس هيئة أركان للقوات المسلحة السودانية.. كما ضمت الفريق صلاح عبد الله قوش المدير الأسبق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني!
رواية عبثية
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يعقل أن السودان، الذي يصنف الإمارات كدولة عدوان تدعم مليشيا متمردة عليه وتنتهك سيادته، يعتمد في تسليح جيشه على صفقات سرية تمر عبر أراضي هذه الدولة ذاتها، مستعيناً ببعض عسكرييها؟!.. هل من المنطقي أن ترسل دولة جيشها إلى عرين خصمها لشراء السلاح، خاصة عندما يكون هذا الخصم متلبساً بدعم العدو الذي تقاتله؟!
والأكثر عبثية أن السودان، الذي يملك علاقات عسكرية مع دول كبرى مثل روسيا والصين وإيران ومصر، ويستورد منها السلاح، ليس بحاجة ماسة إلى المرور عبر الإمارات لشراء عتاد بـ 15 مليون دولار!.. وهو مبلغ متواضع في ميزانيات التسليح. لا يناسب هذه المغامرة؟..من الغباء افتراض أن جهة سودانية رسمية، على مستوى رئاسة أركان الجيش السوداني، يمكن أن تثق في التعامل مع وسطاء داخل دولة معادية، معرضة نفسها لخطر الكشف والاعتقال والفضيحة!
ماذا تريد أبوظبي أن تثبت؟
ما تقدمه المحاكمة ليس مجرد إجراءات قضائية، بل هو فصل من فصول الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي تخوضها الإمارات ضد السودان، وتستهدف تحقيق عدة أهداف:
أولاً: تبرئة الذات وتشويه الخصم، حيث تحاول أبوظبي عبر هذه المحاكمة أن تقول للعالم: “انظروا، السودان نفسه يحاول شراء السلاح عبر أراضينا، وإذا كانت حكومته تلجأ إلينا فكيف نتهم بدعم الطرف الآخر؟”.. محاولة لخلق تكافؤ مصطنع بين الضحية والجلاد، ولتصوير الحرب السودانية على أنها صراع بين طرفين متساويين يتزودان من السوق نفسها، بينما الحقيقة أن الإمارات تدعم طرفاً واحداً بشكل منهجي وعلني.
ثانياً: ابتزاز سياسي باسم القضاء بإدراج أسماء شخصيات سودانية بارزة في ملف القضية، وفي مقدمتها صلاح قوش وياسر العطا، مع الإشارة إلى البرهان دون اتهامه رسمياً.. تظن أبوظبي أنها تمسك بأوراق ضغط سياسية ثمينة تصلح كأداة مساومة في أي مفاوضات إقليمية مستقبلية.
ثالثاً: إرباك المشهد القانوني الدولي، في وقت تواجه فيه الإمارات اتهامات بالتواطؤ في جرائم حرب عبر دعمها للمليشيا، تأتي هذه المحاكمة لتوفير غطاء قانوني زائف. يمكن لأبوظبي الآن أن تقول في المحافل الدولية: “نحن نحارب تجارة السلاح غير المشروع، ونحاكم من يمررون العتاد عبر أراضينا بغض النظر عن هوية الزبون”.. محاولة بائسة لإيجاد حجة واهية، وورقة توت تستر بها سوءتها التي باتت مكشوفة للعيان.
رابعاً: إحراج الداخل السوداني بتوفير مادة إعلامية يلوكها عملاؤها السودانيون في صمود حمدوك، بنشر تفاصيل عن صفقات تسليح، تخلط فيها بين شخصيات رسمية ومتهمين بالفساد، تظهر فيها أسماء مثيرة صلاح قوش إلى جانب ياسر العطا.
إن الغبار الذي تحاول أبوظبي إثارته بقضيتها هذه لن يحجب الحقيقة.. فالإمارات دولة متورطة في دعم مليشيا ارتكبت فظائع موثقة، ومحاكمة 13 شخصاً بتهمة مفلقة في محاولة بيع السلاح للحكومة الشرعية في السودان لن تغسل يديها من دماء مئات الآلاف من السودانيين الذين سقطوا بأسلحة مررت عبر موانئها ومطاراتها. إنها مسرحية قانونية، بطلها جلاد يرتدي ثوب القاضي.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



