أبيي.. جرح قديم يفتحه الانتهاز السياسي

تقرير : الطابية
في الوقت الذي ينشغل فيه السودان بحربه الوجودية ضد مليشيا الجنجويد، ويواجه تحديات اقتصادية وإنسانية خانقة، تحركت حكومة جنوب السودان بهدوء لاستغلال هذا الانشغال القاتل وفرض أمر واقع جديد على الأرض. هذه المرة، لم تكن التحركات عبر دعم المليشيا أو تسهيل عبور المرتزقة، بل عبر خطوة قانونية خطيرة! “إدراج منطقة أبيي المتنازع عليها ضمن دوائرها الانتخابية”.. القرار، الذي وصفته الخارجية السودانية بأنه “مخالف للاتفاقيات الدولية”، يعيد إلى الواجهة واحداً من أقدم وأخطر الملفات العالقة بين البلدين، ويكشف عن عقلية انتهازية لجوبا تتربص بجيرانها في لحظات ضعفهم.
أبيي.. ملف سيادي قبل أن يكون اقتصادياً
منطقة أبيي هي واحدة من أبرز القضايا العالقة بين السودان وجنوب السودان منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005. تقع على الحدود بين البلدين، وتتمتع بوضع إداري خاص، وكان من المفترض أن يُجرى استفتاء شعبي لتقرير مصيرها، وهو استفتاء لم يتم حتى اليوم بسبب خلافات عميقة حول من يحق له التصويت.
تختزن ثروات طبيعية ضخمة، حيث تقع في منطقة غنية بالنفط، وتحديداً ضمن حوض المجلد النفطي، بجانب مراعيها الخصبة التي تجعلها منطقة حيوية لقبائل المسيرية والدينكا نقوك.
هذا فضلاً عن الرمزية السياسية التي تمثلها بالنسبة للجانبين.. أبيي ليست مجرد أرض، بل رمز للسيادة والانتماء القومي.
إجراءات جوبا ورد الخرطوم
أعلنت مفوضية الانتخابات في جنوب السودان عن اعتماد دائرة انتخابية تضم إدارية أبيي، ضمن الانتخابات العامة المقررة في ديسمبر 2026. هذه الخطوة تعني، ببساطة، أن جوبا تعتبر أبيي جزءاً من أراضيها، وأن سكانها سيصوتون في انتخابات دولة جنوب السودان.
جاء الرد من وزارة الخارجية السودانية حاسماً وسريعاً. في بيان رسمي، رفضت الخرطوم القرار واعتبرته؛ مخالفاً لبروتوكول أبيي الموقع ضمن اتفاقية السلام الشامل، ومخالفاً لاتفاقيتي 2005 و2011 اللتين حددتا وضع أبيي كمنطقة خاصة، ومخالفاً لقرار مجلس الأمن رقم 2046 الذي يؤكد على ضرورة حل قضية أبيي عبر التفاوض والاستفتاء، وليس عبر إجراءات أحادية، فضلاً عن كونه إجراءً أحادياً يهدد السلام والاستقرار بين البلدين.
ودعت الخرطوم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وكل الشركاء إلى رفض هذه الخطوة، والالتزام بالحل السلمي وفق الاتفاقيات الموقعة.
استغلال الحرب.. جوبا تتحرك في الظل
ما يجعل هذا القرار خطيراً ليس فقط محتواه، بل توقيته. فالسودان يمر بأخطر أزمة في تاريخه الحديث، تتمثل في الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات ضد مليشيا متمردة، أدَّت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين سوداني، وانهيار اقتصادي غير مسبوق.
في هذا السياق، تبدو خطوة جوبا وكأنها محاولة متعمدة لاستغلال انشغال الخرطوم في حربها، لفرض أمر واقع على الأرض لا يمكن التراجع عنه لاحقاً، حيث ترى جوبا أن الخرطوم غارقة في حربها، وغير قادرة على فتح جبهة جديدة، مما يجعل التوقيت مثالياً لفرض أمر واقع.
إنها نفسية الضباع وسياسة “الغائب يفقد حقه”، حيث تراهن جوبا على أن السودان المنهك لن يكون قادراً على الرد أو التصعيد.
كما يمكن تفسير التحرك الجنوبي في ضوء عدة عوامل داخلية تمثل ضغوطاً على حكومة سلفا كير؛ فانتخابات ديسمبر 2026 تقترب، وضم أبيي انتخابياً قد يكون مناورة للهروب من المشاكل الداخلية عبر إلهاء الرأي العام بقضية قومية.
كما يواجه سلفاكير ضغوطاً من القيادات السياسية المنتمية لمجتمع الدينكا نقوك المقيمة في أبيي والموالية لجنوب السودان، حيث يمارسون، منذ سنوات، ضغوطاً على حكومة جوبا لضم المنطقة لجنوب السودان، والانتخابات المرتقبة قد تكون حافزاً إضافياً للاستجابة لهذه الضغوط.
ومما شجع جوبا على هذه الخطوة هو رهانها على ضعف الرد الدولي.. فقد جربت جوبا في السابق خطوات أحادية دون أن تواجه عقوبات دولية رادعة، وهذا الإفلات من العقاب يشجعها على تكرار السلوك نفسه.
ليست المرة الأولى!
ليست هذه المرة الأولى التي تستغل فيها جوبا الأزمة السودانية، فهي معتادة على أسلوب الانتهازية السياسية مع الخرطوم؛ فقد دعمت مليشيا الدعـ م السـ ريع لوجستياً، وسمحت بمرور الإمدادات عبر أراضيها، واستضافت بعضاً من عناصرها ووفرت لهم الملاذا الآمن، كما فتحت معابرها لتهريب الذهب السوداني المنهوب من مناطق سيطرة المليشيا.. والآن، تتحرك لضم أبيي إدارياً وسياسياً.
تداعيات خطيرة
تترتب على قرار جوبا إلى تداعيات خطيرة تتجاوز العلاقة بين البلدين إلى أمن المنطقة ككل، فهو يؤدي إلى:
1. تقويض الاتفاقيات الدولية؛ حيث ينسف، بشكل أحادي، بروتوكول أبيي واتفاقيتي 2005 و2011. إذا سُمح لهذا القرار بالمرور دون رد فعل دولي حاسم، فإن ذلك يفتح الباب أمام إلغاء كل الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، ويعيد المنطقة إلى مربع الصفر.
2. تهديد السلام الإقليمي؛ فأبيي منطقة حساسة عرقياً وقبلياً. أي خطوة أحادية من أي طرف قد تشعل مواجهات قبلية بين الدينكا نقوك والمسيرية، وتجر البلدين إلى صراع حدودي لا يريده أي منهما الآن، قد تمتد آثاره إلى خارج حدود البلدين في إقليم يعاني أصلاً من الالتهاب الأمني.
3. إفشال الوساطات الدولية؛ حيث ظل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة يبذلان جهوداً منذ سنوات لحل قضية أبيي سلمياً، ولكن إجراء جوبا الأحادي يقوض هذه الجهود ويُظهرها عاجزة، مما يشجع على المزيد من الإجراءات الأحادية.
4. توتير العلاقات بين الخرطوم وجوبا؛ في وقت تحتاج فيه الدولتان إلى تعاون أمني واقتصادي، تأتي هذه الخطوة لتسمم الأجواء وتعيد التوتر إلى العلاقات. وهذا تحديداً ما لا تحتاجه المنطقة المضطربة أصلاً.
ما المطلوب الآن؟
لمواجهة هذا التحدي، على المستوى السياسي تحتاج الخرطوم إلى تحرك متعدد المسارات:
1. تحرك دبلوماسي فوري بتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتفعيل آليات الاتحاد الأفريقي لحل النزاعات الحدودية، وحشد دعم إقليمي، خاصة من مصر والسعودية ودول الخليج.
2. تذكير دولي بالاتفاقيات: وذلك بإعادة توزيع بروتوكول أبيي واتفاقيتي 2005 و2011 على الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وإبراز أن هذه الاتفاقيات وقعت بضمانة دولية، وأن خرقها يعني خرقاً للقانون الدولي.
أين المسيرية من كل هذا؟
الوقت مناسب الآن للتواصل المباشر مع قبيلة المسيرية وإعلامها بأن الخرطوم لن تفرط في حقوقها، خاصة في هذا الوقت الذي تواجه فيه القبيلة وضعاً حرجاً جرَْها إليه تحالفها مع المليشيا، التي لم ترعَ فيها عهدا ولا قرابة، ومنحت أراضيها في غرب كردفان للمرتزقة الجنوبيين من قبيلة النوير!.. فالوقت مناسب لكشف مؤامرة المليشيا عليها، ومن ضمن ذلك التفاهمات التي تمت بين قيادة المليشيا حكومة جنوب السودان حول حول التنازل لجوبا عنمنطقة أبيي!.. المسيرية كان لهم دور حاسم خلال الأزمات السابقة في تثبيت الأرض لصالح السودان.. والآن حان الوقت لإخراجهم نهائياً من عباءة التمرد وإعادتهم ثغرتهم السابقة.
الحل العسكري
بالنسبة للحل العسكري، هو الآخر غير مستبعد، ولكنه يجضع لتقديرات القيادة السياسية والعسكرية، لظروف إدارة الحرب، وإمكانية فتح جبهات متعددة في هذا الوقت بالذات.
قد تكون تقديرات القيادة السياسية والعسكرية هو الاكتفاء بالإجراءات السياسية والدبلوماسية، دون اللجوء إلى فتح جبهات عسكرية مباشرة.. وقد يكون إثبات القوة في وقت الحرب مهماً إيضاً لردع الخصوم وتوضيح أن البلاد ليست لقمة سائغة لكل طامع، وأنه مازال واقفاً على قدميه في أرض صلبة.
في هذا الوقت الحرج الذي تمر به البلاد، تأتي طعنة جوبا من الخلف لتذكر السودانيين بأن أعداء وطنهم لا يترددون في استغلال جراحه.
إن إدراج أبيي في دوائر انتخابات جنوب السودان ليس مجرد خطأ إجرائي، بل هو عدوان على السيادة السودانية، وانتهاك صارخ للقانون الدولي، ومحاولة مكشوفة لسرقة أرض سودانية تحت جنح الظلام.
على حكومة جنوب السودان أن تعرف أن أبيي ليست أرضاً بلا صاحب، وأن انشغال الخرطوم بحربها لا يعني تفريطها في شبر من ترابها الوطني. فالحرب تنتهي، والجيوش تعود، أما السيادة على الأرض فتبقى حقاً لا يسقط بالتقادم، ولا يغتاله انتهاز الجيران.



