احتجاجات عبري بين أزمة الكهرباء والهواجس الأمنية

تقرير: الطابية
شهدت مدينة عبري بالولاية الشمالية خلال اليومين الماضيين احتجاجات شعبية على خلفية الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد شكاوى المواطنين من تدهور الخدمات الأساسية، بينما تدخلت السلطات الأمنية لفض التجمعات استناداً إلى حالة الطوارئ المفروضة منذ اندلاع الحرب في السودان.
وبدأت الاحتجاجات بعد تصاعد حالة الغضب وسط السكان بسبب ما وصفوه بـ”البرمجة القاسية” لانقطاع الكهرباء، والتي تصل ـ بحسب إفادات محلية ـ إلى نحو 12 ساعة يومياً، رغم اعتماد المنطقة على خط كهربائي قادم من مصر، الأمر الذي دفع الأهالي للمطالبة باستثناء المدينة من القطوعات المبرمجة.
وقال ناشطون محليون إن المواطنين حاولوا خلال الأيام الماضية الوصول إلى تفاهمات مع السلطات التنفيذية لمعالجة الأزمة، غير أن تلك الجهود لم تفضِ إلى حلول عملية، ما دفع مجموعات من الشباب إلى تنظيم احتجاجات وإغلاق جزئي للطريق القومي الرابط بين دنقلا ووادي حلفا، وهو طريق حيوي لحركة التجارة والنقل بين السودان ومصر.
ورغم أن المحتجين سمحوا بمرور حافلات السفر وبعض المركبات، فإن السلطات اعتبرت الخطوة تهديداً لحركة النقل والأمن العام، خاصة في ظل استمرار حالة الطوارئ وحظر التجوال الليلي بالولاية.
مواجهات واعتقالات
وتطورت الأحداث لاحقاً إلى مواجهات متفرقة بين المحتجين وقوات مكافحة الشغب التي دفعت بها السلطات من مدينتي دنقلا وحلفا لاحتواء الموقف. وأفاد شهود عيان بأن القوات استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات، بينما تحدثت لجان محلية ومنظمات شبابية عن وقوع اعتقالات وإصابات وسط المحتجين.
وبحسب بيانات صادرة عن مجموعات شبابية في عبري، فقد تم توقيف عدد من المحتجين، بينهم قُصّر، مع اتهامات للقوات باستخدام “عنف مفرط” خلال عمليات التفريق والاعتقال. كما أشارت البيانات إلى تسجيل إصابات متفاوتة بين بعض الموقوفين قبل الإفراج عن عدد منهم لاحقاً.
في المقابل، تستند السلطات في تدخلها إلى القوانين الاستثنائية السارية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، والتي تحظر التجمعات غير المصرح بها، وتمنح الأجهزة النظامية صلاحيات واسعة للتعامل مع أي تحركات تعتبرها مهددة للاستقرار أو معطلة للمرافق الحيوية.
توتر قابل للتصعيد
ورغم الهدوء النسبي الذي عاد إلى المدينة عقب تراجع القوات الأمنية والإفراج عن عدد من المعتقلين، فإن حالة الاحتقان لا تزال قائمة، وسط تحذيرات من تجدد الاحتجاجات إذا استمرت أزمة الكهرباء دون حلول واضحة.
ويبدو أن ما جرى في عبري يعكس معادلة معقدة تواجهها السلطات والمجتمعات المحلية في السودان حالياً؛ فبين ضرورات حفظ الأمن في ظل الحرب، ومطالب المواطنين بالحصول على الخدمات الأساسية وحقهم في التعبير السلمي، تتسع مساحة التوتر في بلد يواجه واحدة من أصعب مراحله السياسية والإنسانية.
يجب على الدولة أن تتعامل مع مطالب المواطنين، خصوصاً في قضايا حيوية مثل الكهرباء والطاقة، بغير منطق الحسم الأمني، ونصوص القانون ليست دائماً الحل!.. وفي أجواء الاحتقان تكون الحكمة هي رأس الأمر وعموده.. وكان الأمر يقتضي تدخل الحكومة الاتحادية في الخرطوم في إشكال قابل للتمدد مثل هذه القضية..
ويؤخذ على الحكومة المركزية أنها حتى هذه اللحظة لم يصدر عنها حتى مجرد تصريح أو تعليق!.. في الوقت الذي يتحرك المسؤول بالسفر هنا وهناك، في قضايا أقل حساسية.
أزمة خدمات في منطقة غنية بالموارد
ويشير مراقبون إلى أن حدة الغضب الشعبي في عبري ترتبط أيضاً بالشعور بالتهميش الخدمي، رغم الموقع الاقتصادي المهم للمدينة الواقعة على الطريق الدولي بين السودان ومصر، إلى جانب قربها من مناطق تعدين الذهب الأهلي في الولاية الشمالية.
في المقابل، تواجه الحكومة تحديات كبيرة في قطاع الكهرباء، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن الحرب تسببت في أضرار واسعة بالبنية التحتية الكهربائية وخسائر بمليارات الدولارات، ما أثر على استقرار الإمداد في عدد من الولايات.
تكشف أحداث عبري أن الأزمات الخدمية في السودان لم تعد مجرد مطالب معيشية عابرة، بل باتت ترتبط بصورة مباشرة بحالة الاستقرار الاجتماعي والثقة بين الدولة والمواطنين. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بسبب الحرب والتدهور الاقتصادي، تبدو الحاجة ملحّة إلى معالجة مثل هذه الاحتجاجات بالحكمة وضبط النفس، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والخدمية بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات الأمنية.
كما أن الاستماع إلى شكاوى المواطنين، وفتح قنوات حوار جادة مع المجتمعات المحلية، والعمل على تخفيف معاناة الناس في قضايا الكهرباء والخدمات الأساسية، قد يسهم في احتواء التوتر ومنع اتساع دائرة الاحتقان.
إن غياب الدولة عن الأزمات التي تتعلق بالمواطنين مثل هذه القضية، هو الذي يمنح المبررات لدعاوى التهميش، ويفتح المداخل التي ينفذ من خلالها السياسيون الانتهازيون ويستغلونها لتاجيج النيران
فالمواطن الذي يواجه أعباء الحرب وتداعياتها اليومية، ينتظر من الدولة حضوراً أكثر قرباً من همومه، واستجابة تعزز شعوره بالعدالة والاهتمام، لا أن تزيد من فجوة الغضب وفقدان الثقة.


