
تقرير: أحمد غباشي
في خطوة وُصفت بأنها من أكثر الإجراءات الاقتصادية جرأة منذ اندلاع الحرب، أعلنت الحكومة الأمل بقيادة كامل إدريس حظر استيراد 46 سلعة اُعتبرت “غير أساسية”، قبل أن تعود تجري عليها بعض التعديلات، لتستقر القائمة النهائية على 34 سلعة.
ويدخل القرار حيز التنفيذ اعتبارًا من 10 مايو 2026، في محاولة لوقف الانهيار المتسارع في قيمة العملة المحلية.
قرار واسع النطاق لضبط السوق
القرار استند إلى توصيات اللجنة الاقتصادية العليا، ويستهدف تقليص الطلب على النقد الأجنبي عبر تقليص الواردات، خاصة السلع الكمالية والاستهلاكية.
وشملت القائمة الأولى 46 سلعة تتنوع بين منتجات غذائية واستهلاكية وصناعية، من بينها:
منتجات الألبان الجاهزة (مع استثناء لبن الأطفال والبودرة)
الحلويات والبسكويت والشوكولاتة
الأسمنت وبعض مواد البناء،
الصابون ومستحضرات التجميل
الفواكه والخضروات والأرز وبعض السلع الزراعية.
كما امتد الحظر إلى مواد خام ومدخلات صناعية، ما يعكس اتساع نطاق القرار مقارنة بإجراءات سابقة.
تعديلات واستثناءات:
قبل أن تُرجم التوجه الحكومي إلى إجراء تنفيذي، أجرت وزارة الصناعة والتجارة مراجعات على قائمة السلع المحظورة، وكشفت عن قائمتها النهائية التي استقرت عند 34 سلعة، بعد أن كانت قد بلغت في مسودتها الأولية 46 سلعة.
وبمراجعة البنود التي تم رفعها من القائمة، يتضح أن الحكومة استجابت جزئياً لمخاوف السوق والقطاع الصناعي، حيث تم استبعاد سلع استراتيجية مثل الأرز والأسمنت، إلى جانب الفول المصري، وهي مواد كان إدراجها في قائمة المحظورات سيُحدث ارتباكاً في أسواق الغذاء ومواد البناء التي تعاني أصلاً من تقلبات حادة.
وحددت الوزارة العاشر من مايو المقبل موعداً لبدء التنفيذ الفعلي، مع تطمين المستوردين بأن الشحنات التي بدأت إجراءاتها قبل هذا التاريخ لن تطالها إجراءات المنع، في إشارة إلى مرونة إجرائية تهدف إلى تجنب النزاعات التعاقدية والاختناقات المفاجئة في سلاسل التوريد.
ويبقى الرهان الآن على قدرة الأجهزة الرقابية في المنافذ الحدودية على إنفاذ هذه القائمة التي تمتد من الجبن الجاهز والعصائر، مروراً بالمياه الغازية والحلويات، وصولاً إلى سلع غير متوقعة مثل الشعر المستعار واللؤلؤ الطبيعي وأسماك الزينة، في بلدٍ يجد فيه تهريب البضائع ثغراته التقليدية.
الهدف المعلن: حماية الجنيه
تأتي الخطوة في سياق أزمة نقد أجنبي حادة، حيث فقد الجنيه السوداني جزءًا كبيرًا من قيمته خلال الحرب، مع تزايد الضغط على الدولار نتيجة ضعف الصادرات وتراجع الإنتاج.
وتسعى الحكومة من خلال هذا القرار إلى:
تقليل الاستيراد غير الضروري، وتخفيف الضغط على الطلب على الدولار، وتحسين الميزان التجاري، بالإضافة إلى تشجيع الإنتاج المحلي.
وهي أهداف تقليدية في سياسات “ترشيد الواردات” التي تلجأ إليها الدول في أوقات الأزمات.
ردود فعل متباينة
لم تمر الخطوة دون انتقادات، إذ حذر بعض الفاعلين في القطاع التجاري من آثارها المحتملة، معتبرين أنها قد تؤدي إلى:
خلق سوق احتكارية لصالح عدد محدود من الموردين، وربما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة نقص المعروض، بجانب
تعطيل بعض الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بالمدخلات المستوردة.
في المقابل، يرى مؤيدو القرار أنه إجراء اضطراري في ظل اقتصاد حرب، وأن البديل هو مزيد من انهيار العملة.
تحديات التنفيذ:
رغم وضوح القرار، يواجه تطبيقه عدة تحديات عملية:
أولها التهريب عبر الحدود: ظل ضعف الرقابة في بعض المناطق
ويتخوف الاستثناءات التي قد تحدث لبعض الأشخاص والجهات مما يفتح الباب لتجاوز القرار.
وهناك أيضاً مشكلة الاقتصاد الموازي؛ الذي قد يستفيد من نقص السلع ليتمدد على حساب الاقتصاد الرسمي.
هل الإنتاج المحلي جاهز للتعويض؟
التحدي الأكبر هو ضعف الإنتاج المحلي، وهل سيكون جاهزًا لتعويض الفجوة الناجمة عن وقف استيراد هذه السلع؟.
يمكننا القول بكل وضوح إن الإنتاج المحلي في السودان بوضعه الحالي غير جاهز حالياً لتعويض فجوة تقييد الاستيراد. بشكل كامل، بسبب آثار الحرب على المصانع وسلاسل الإمداد، وضعف التمويل. فكيف ستتعامل الحكومة مع هذا الواقع؟.
ولكن هذا لا يمنع من الزعم بأنه يمكنه سد جزء منها فقط، إذا أردفته الدولة ببعض التدابير الاقتصادية، من قبيل:
– تقديم دعم مباشر للمنتجين بتوفير التمويل، والوقود، والكهرباء.
– تسهيل استيراد مدخلات الإنتاج لا حظرها.
– ضبط الأسواق ومنع الاحتكار.
– تحسين النقل بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
وأي نجاح لهذه السياسة مرهون بتحويلها من مجرد “منع استيراد” إلى برنامج متكامل لإحياء الإنتاج—وإلا فإن النتيجة الأقرب هي ندرة وغلاء أكثر من كونها تعافياً اقتصادياً.
بين الإنقاذ والمخاطر
يطرح القرار معادلة معقدة، بحسب بعض الاقتصاديين؛
فعلى المدى القصير؛ قد يخفف الضغط على العملة، لكنه على المدى المتوسط قد يؤدي إلى تضخم أعلى وارتفاع الأسعار، بسبب كثرة الطلب وقلة العرض.
والنقطة الأهم، أن قرار حظر استيراد 34 سلعة يمثل تحوّلًا واضحًا نحو سياسة “إدارة الأزمة” بدلًا من معالجتها جذريًا.
فبينما تسعى الحكومة إلى حماية الجنيه وتقليل النزيف في النقد الأجنبي، تبقى المخاطر قائمة في شكل ارتفاع الأسعار وتوسع السوق الموازي.
السؤال الذي سيحسم جدوى القرار ليس فقط في نصه، بل في قدرته على التنفيذ.. هل تنجح هذه التدابير في ضبط السوق، أم تتحول إلى عامل جديد يفاقم اختلالات؟! .
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



