مسيّرات من الشرق.. هل تنزلق إثيوبيا إلى مواجهة مفتوحة مع السودان؟

تقرير: الطابية
أثار بيان وزارة الخارجية السودانية، يوم الاثنين، بشأن رصد دخول طائرات مسيّرة من داخل الأراضي الإثيوبية واستهدافها مناطق سودانية، تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا لافتًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
حيث لم تكتفِ بوصف الحادثة “انتهاكًا سافرًا للسيادة”، بل أطلقت تحذيرًا مباشرًا للسلطات الإثيوبية من مغبة التمادي في ما وصفته بالأعمال العدائية، مؤكدة احتفاظها بحق الرد بالوسائل المختلفة.
هذا التطور يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام حادثة حدودية قابلة للاحتواء، أم أمام مسار قد يدفع البلدين نحو مواجهة أوسع؟
سياق إقليمي متراكم التوتر
العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا ليست في أفضل حالاتها منذ سنوات، في ظل ملفات عالقة أبرزها؛ نزاع منطقة الفشقة الحدودية، وتداعيات حرب تيغراي وانعكاساتها الأمنية، وملف سد النهضة وتقاطعاته الإقليمية.. ورغم محاولات التهدئة المتقطعة، ظل الشك المتبادل حاضرًا، خاصة في ظل الحرب السودانية التي فتحت المجال أمام تدخلات إقليمية مباشرة وغير مباشرة، لم تكن إثيوبيا ببعيدة عنها منذ بداية الحرب في أبريل 2023م.
اتهامات بتمرير السلاح وتدريب الد-عم الس-ريع
بيان الخارجية السودانية جاء، بعد أن تجاوز الأمر مداه، فمع وصول تقارير أمنية وإعلامية خلال الأشهر الماضية تشير إلى تورط نظام أديس أبابا في دعم المليشيا المتمردة، بتسهيل مرور إمدادات عسكرية عبر الحدود الإثيوبية إلى مجموعات من مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع وحلفائها من الحركة الشعبية شمال، في جنوب النيل الأزرق، فضلاً عن معلومات عن وجود معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية المجموعات.. جاءت قضية المُسيرات التي انطلقت من الأراضي الإثيوبية لتزيد الأمر تصعيداً، فتأكيد هذه المعلومات يشير إلى إن الأمر يتجاوز الدعم غير المباشر إلى مستوى “تأثير عملي” في مسار الحرب السودانية.
ورغم عدم صدور اعتراف رسمي من أديس أبابا بهذه الاتهامات، فإن تكرار الحديث عنها في دوائر سودانية رسمية وشبه رسمية يعكس قناعة متزايدة في الخرطوم بوجود دور إثيوبي في موازين الصراع.
البعد السياسي… توتر على مستوى القمة
في خلفية المشهد أيضًا، ما كشف عنه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان حول تجاهل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لطلب تقدم به لزيارة أديس أبابا لبحث ملف “التسهيلات المقدمة للمليشيا”.. ومعلوم ما يحمله هذا من دلالة واضحة على وجود أزمة ثقة سياسية عميقة بين القيادتين، في ظل غياب قناة تفاوض مباشرة فاعلة لمعالجة الاتهامات المتبادلة.. وفي النزاعات الإقليمية، غياب قنوات الاتصال أخطر من الاتهامات نفسها، لأنه يفتح المجال لتصعيد ميداني غير مضبوط.
ماذا يعني دخول المسيّرات من داخل إثيوبيا؟
انطلاق الطائرات المسيّرة من الأراضي الإثيوبية تجاه السودان، بصورة عامة يعني أحد احتمالين؛ إما تورط رسمي مباشر، أو ضعف سيطرة الدولة على مناطق حدودية تستخدمها أطراف أخرى!.. ولكن في ظل المعلومات والملابسات المحيطة بالحدث، فإن الاحتمال الأول يصبح هو الأرجح.
في الحالتين، فإن الرسالة السياسية خطيرة؛ لأن استهداف العمق السوداني من أراضٍ مجاورة يرقى إلى مستوى عدوان عابر للحدود، لا مجرد دعم غير مباشر.
ولكن لماذا قد تخاطر إثيوبيا بالتورط المباشر في الحرب ضد الدولة السودانية؟.. لفهم المشهد، يجب النظر إلى عدة اعتبارات محتملة في الحسابات الإثيوبية:
أولاً: تأمين الحدود الغربية: حيث ترى أديس أبابا أن وجود قوة عسكرية مركزية قوية في الخرطوم قد يعيد إحياء مطالب سودانية أكثر صرامة بشأن الفشقة، بجانب دعم محتمل للمعارضات الإثيوبية المسلحة، في إقليمي تيغراي وبني شنقول.. خصوصاً في ظل وجود الملفات الخلافية مثل “ملف سد النهضة”.
ثانياً: إدارة التوازنات الإقليمية: إثيوبيا تتحرك ضمن شبكة معقدة من التحالفات والتنافسات في القرن الإفريقي، وقد تنظر إلى المشهد السوداني باعتباره ورقة ضغط أو أداة توازن.. خاصة في ظل وجود أحلاف مضادة لها، ولها ارتباط مساند للسودان، مثل ثلاثية “القاهرة – أسمرا – مقديشو”!!، وتحالف السودان ومصر في ملف سد النهضة.
ثالثاً: الحسابات الداخلية؛ فحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد تواجه تحديات أمنية وسياسية داخلية، وقد تسعى لتوسيع هامشها الإقليمي لإعادة ترتيب أوراق النفوذ، ولذلك فإن إعادة تشكيل موازين القوى على الحدود ربما يضمن نفوذًا إثيوبيًا أوسع.
لكن هذه الحسابات – إن وجدت – تصطدم بمخاطر كبيرة، على سبيل المثال؛ فتح جبهة خارجية قد يرهق المؤسسة العسكرية، في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها، ويخلق ثغرات أمنية داخلية، ويزيد الاستقطاب السياسي الداخلي.
هذا فضلاً عن ما يمكن أن يسببه أي تصعيد مع الخرطوم من تأثيرات مباشرة على مسار التفاهمات المرتبطة بـ سد النهضة، إذ يمثل السودان طرفًا محوريًا بين إثيوبيا ومصر، والتصعيد قد يدفع الخرطوم إلى تموضع أكثر تشددًا في الملف، ما يعقّد الحسابات الإثيوبية.
هل تنزلق إثيوبيا إلى حرب .. ومن يعرقل ملف التسوية؟
السيناريوهات المحتملة يمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات:
الأول: احتواء دبلوماسي سريع: يعيد فتح قنوات اتصال عسكرية وأمنية مباشرة، ويفضي إلى تشكيل لجنة تحقيق مشتركة، وضبط الحدود وتبادل معلومات استخبارية، وهذا السيناريو هو الأقل كلفة للطرفين، خاصة أن البلدين يواجهان أزمات داخلية معقدة.. وفيما يبدو أن القيادة السودانية كانت تسعى للسير بهذا الاتجاه لحل الملف، ولكن التصرفات الإثيوبية، بدءًا بتجاهل طلب زياة البرهان، ثم إطلاق المسيرات من داخل الأراضي الإثيوبية، يعتبر عرقلة متعمدة لهذا المسار.
والسؤال الملح: ما هو مصدر هذه العرقلة؟!.. هل هو توجه من قبل الرئيس أبي أحمد؟..أم أن هناك مراكز قوة متنفذة داخل النظام الإثيوبي موالية للمليشيا والإمارات، هي التي تمارس هذه العرقلة بحجب الطلبات، وصناعة التصعيد؟!.
الثاني: تصعيد محدود بالوكالة: يتمثل في استمرار اتهامات الدعم غير المباشر، وتصاعد الحرب الإعلامية دون انخراط عسكري شامل.. وفي أسوأ الحالات تنفيذ ضربات موضعية، ضد مواقع إطلاق المسيرات وأماكن تواجد المليشيا، أو عمليات ردع محدودة.. وإذا استمرت أديس أبابا في التصعيد وتجاهل طلبات التسوية، فإن هذا هو السيناريو يصبح راجحاً، في المدى القريب، نظرًا لرغبة الطرفين في تجنب حرب تقليدية.
السيناريو الثالث: الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة: تتمثل في رد سوداني عسكري داخل العمق الإثيوبي، واشتباكات حدودية واسعة، على غرار ما كان يحدث في الفشقة.. وهذا السيناريو هو الأسوأ والأكثر خطورة لأنه قد يجر البلدين للحرب التقليدية، خاصة في ظل وجود الأطراف الإقليمية صاحبة المصلحة في إطالة أمد الحرب في السودان، وإسقاط الحكومة المركزية.. ولكن هذا السيناريو يظل ضعيف الاحتمال حاليًا، لأن إثيوبيا منخرطة في ترتيبات داخلية حساسة، وهي في غنىً عن تعريض استقرارها الداخلي الهش لمخاطر جديدة، كما أن دخولها في مواجهة مفتوحة مع الخرطوم له كلفة سياسية، حيث قد يعرضها لخسارة موقعها كفاعل محوري في القرن الإفريقي.. هذا بجانب احتمالية تدويل الأزمة.
والسودان بدوره مستنزف في حربه ضد المليشيا، بالتالي فإن فتح جبهة شرقية سيستنزف الجيش في وقت يقاتل فيه على جبهات متعددة، كما يؤدي إلى مزيد من التعقيد في علاقاته الإقليمية، وزيادة الضغط الدولي.
خلاصة الأمر أن البيان السوداني يحمل لهجة تحذيرية واضحة، لكنه لا يعلن قطيعة كاملة، بل يترك باب الرد مفتوحًا “بالطرق والوسائل المختلفة”، وهو تعبير يسمح بهامش واسع من الخيارات.
حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى “حرب رسائل وضغط متبادل” منها إلى مواجهة شاملة.. غير أن استمرار التصعيد، قد يدفع العلاقة إلى نقطة حرجة إذا لم تُحتوَ سريعًا.
والجواب على السؤال المطروح “هل تنزلق إثيوبيا إلى حرب مع السودان”؟..الاحتمال قائم نظريًا، لكنه ليس مرجحًا في المدى القريب.. بل الأرجح هو أحد أمرين؛ إما دخول وساطة واحتواء الأزمة.. أو الاستمرار في التصعيد غير المباشر وإدارة الصراع تحت سقف الحرب بالوكالة، ما لم يقع حدث نوعي يغيّر قواعد الاشتباك.
وفي منطقة تعج بالصراعات، يكفي خطأ واحد في الحسابات… ليتحول التوتر إلى مواجهة لا يريدها الطرفان، لكنها قد تفرض نفسها.



