هل يؤسس تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية لإدانة قانونية ضد المليشيا؟

تقرير: الطابية
كشف تقرير جديد، صدر الخميس 19 فبراير، عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان عن وجود «سمات إبادة جماعية» في الهجوم الذي شنّته مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، بعد حصار استمر نحو 18 شهرًا.
التقرير، الذي سيُعرض على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نهاية فبراير، خلص إلى أن ما جرى لم يكن «تجاوزات حرب»، بل عملية منسقة حملت مؤشرات قانونية واضحة على توافر أركان جريمة الإبادة الجماعية، خاصة بحق مجتمعي الزغاوة والفور.
حصار ممنهج وانهيار إنساني
وفقاً للبعثة، فإن مليشيا الدعـ ـم السـ ـريع، فرضت حصارًا طويلًا على المدينة، تخلله حرمان المدنيين من الغذاء والمياه والرعاية الطبية والمساعدات الإنسانية. واعتبر التقرير أن هذا الحصار لم يكن مجرد نتيجة عرضية للقتال، بل أداة منهجية لإضعاف السكان المستهدفين قبل الهجوم النهائي في أكتوبر 2025. وأن النتيجة كانت بيئة إنسانية منهارة، وسكان منهكون، وقدرة محدودة على النزوح، بالإضافة إلى مجتمع محاصر بلا خطوط إمداد.
استهداف على أساس الهوية
وثّق التقرير نمطًا متكررًا من الاستهداف القائم على الهوية العرقية، شمل؛ عمليات قتل جماعي، عنفًا جنسيًا واسع النطاق، اختفاءات قسرية، واحتجازًا وتعذيبًا. كما أشار إلى تصريحات منسوبة لمقاتلين تابعين للمليشيا تدعو صراحة إلى القضاء على مجتمعات غير عربية.. وهو عنصر اعتبرته البعثة مؤشرًا حاسمًا على توافر «النية الإبادية».
وبحسب خبراء البعثة، فإن تجميع الأدلة – من الحصار والتجويع إلى القتل والاغتصاب – يقود إلى «الاستنتاج المعقول الوحيد» بأن العملية استهدفت تدمير هذه المجموعات كليًا أو جزئيًا.
سياق أوسع للنزاع
أشار التقرير إلى خلفية القتال في السودان، الذي اندلع في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعـ ـم السـ ـريع، قبل أن يتمدد إلى مساحات واسعة من البلاد. ويرى التقرير أن ما حدث في الفاشر يمثل تصعيدًا لأنماط عنف سابقة شهدتها دارفور في العقدين الماضيين، ولكن «على نطاق أكثر فتكًا وتنظيمًا».
ومع توسع العمليات إلى مناطق أخرى مثل كردفان، حذّرت البعثة من أن خطر تكرار هذه الأنماط لا يزال «جسيمًا ومستمراً» في ظل غياب إجراءات ردع فعالة.
دلالات قانونية وسياسية
رغم أن التقرير لم يقدم على توصيف ما حدث في الفاشر بوضوح بأنه “إباد.ة جماعية”، ولكنه وصف ما جرى بأنه يحمل «سمات إباد.ة جماعية»!!.. ويؤكد أن هذا الوصف لا يعني فقط توصيفًا أخلاقيًا، بل يضع المجتمع الدولي أمام التزامات قانونية بموجب اتفاقية منع جريمة الإباد.ة الجماعية. لأنه يرفع سقف التوصيف من «انتهاكات جسيمة» إلى «سمات إبا.دة جماعية»!!.. وهو مستوى قد يفتح الباب أمام آليات مساءلة دولية أوسع.
كما يضع التقرير اختبارًا مباشرًا لفاعلية نظام الإنذار المبكر الدولي، إذ أشار إلى أن تحذيرات صدرت منذ منتصف 2024 بشأن مخاطر الفاشر، دون أن تتبعها إجراءات وقائية ملموسة.
ماذا بعد التقرير؟
من المنتظر أن يشكّل عرض التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان محطة مفصلية، ينبغي أن ترقى إلى مستوى تصنيف مليشيا الدعـ ـم السريع كياناً إرهابياً، ولكن كثير من المراقبين لا ينتظرون نتائج أكبر من تعزيز آليات المحاسبة، أو الضغط نحو تدابير حماية عاجلة للمدنيين.
يقول التقرير، إنه على الأرض، تبقى المعادلة أكثر تعقيدًا: صراع مفتوح، انهيار مؤسساتي، وتداخل إقليمي يجعل من دارفور ساحة صراع تتجاوز حدودها المحلية.. ويرى معدّو التقرير الأممي، أنهم أعادوا وضع الفاشر في قلب النقاش الدولي – لا بوصفها مدينة محاصرة فحسب، بل كنقطة اختبار لجدية المجتمع الدولي في منع تكرار فصول أكثر قتامة من تاريخ الإقليم.
ويأمل المهتمون، أن يحدث التقرير قفزة أعلى من تسليط النظر إلى مسرح الجريمة وإهمال النظر المجرم، وما يجب اتخاذه من إجراءات بحقه.. فمع وجود توصيف أممي صريح بأن ما جرى في الفاشر يحمل “hallmarks of genocide”، يصبح من الصعب الإنكار أو التقليل من حجم الانتهاكات المرتكبة من قبل المليشيا، في أي عملية تفاوض، قد يدفع هذا التقرير باتجاه تضمين آليات ضمان حماية المدنيين والمساءلة كشرط أساسي في أي اتفاق سياسي أو سلام مستقبلي.. ولكنه أقل بكثير من السقف الذي يأمله الضحايا في الفاشر وبقية مدن السودان.. الذين يتطلعون إلى وضوح دولي في التعامل مع مليشيا إرهابية غرقت في دماء المدنيين، وأدمنت تدمير الحياة!!.
وبجانب ذلك أهمل التقرير بشكل واضح، دور الفاعلين الإقليميين والدوليين في تأجيج الصراع، وفلم يشر بصورة أو أخرى إلى ما قامت به دول كالإمارات، وتشاد، وفصائل عسكرية كقوات خليفة حفتر الليبية، في المساعدة على ارتكاب هذه الجرائم، سواء بتقديم الدعم المباشر، أو المشاركة الفعلية.
وفي خاتمة المطاف، بالنسبة للسودانيين، يعتبر التقرير الاممي، رغم كونه قصر عن كثير من الحقائق الكائنة على الأرض، إلّا أنه يمثل خطوة مفيدة إلى درجة كبيرة، ويمكن البناء عليها في أية جهود قانونية دولية تضطلع بها الدولة، أو تقوم بها الكفاءات السودانية القانونية بالخارج، للدفع بدعاوى قضائية ضد المليشيا وشركائها الدوليين والإقليميين.



