جرائم نهب وسلاح منفلت.. من يحمي المدن والقرى في نهر النيل؟!

تقرير: الطابية
تشهد ولاية نهر النيل خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا لافتًا في جرائم النهب المسلح والتفلتات الأمنية، شملت مدنًا رئيسية مثل عطبرة، الدامر، شندي، والمتمة، إلى جانب قرى ومناطق زراعية، في مشهد يعكس تحوّل الجريمة من حوادث متفرقة إلى ظاهرة مقلقة تهدد الأمن المجتمعي والسلم الاجتماعي.
اللافت في هذه التطورات أن أنماط الجرائم باتت أكثر جرأة وتنظيمًا، مع استخدام أسلحة نارية ثقيلة (كلاشينكوف)، ووقوع اعتداءات داخل الأحياء السكنية وفي أوقات متأخرة من الليل وحتى عقب صلاة الفجر، ما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية الانتشار الأمني وحدود السيطرة على السلاح.
عطبرة والدامر.. نهب مسلح داخل الأحياء
في مدينة عطبرة، خصوصًا أحياء الشرقي ومربعاتها المختلفة، وثّق مواطنون وشهود عيان حوادث نهب مسلح نفذتها مجموعات تستقل دراجات نارية، يرتدي بعض أفرادها زيًا عسكريًا ويحملون أسلحة آلية.
شملت الاعتداءات أفرانًا، بقالات، محلات تجارية، ومواطنين في الشوارع، بل وصل الأمر إلى إطلاق نار مباشر على أحد أصحاب المحال أثناء مقاومته للنهب.
وتكررت حوادث اقتحام المنازل ليلًا، حيث أبلغ سكان عن مجموعات تتكون من 3 إلى 4 أشخاص تقفز إلى البيوت وتسرق الهواتف والمقتنيات، في ظل غياب واضح للدوريات الليلية المنتظمة.
أما سوق عطبرة الكبير، فقد أصبح بدوره محل شكاوى متزايدة من الفوضى والانفلات، وسط مطالب شعبية بتدخل فوري لإعادة الانضباط وحماية النشاط التجاري.
شندي والمتمة.. انتقال الظاهرة إلى المدن الهادئة
في تطور خطير، انتقلت جرائم النهب المسلح إلى مدينة شندي، التي لم تكن تاريخيًا ضمن بؤر الجريمة المنظمة.
وسُجلت حادثة غير مسبوقة عقب صلاة الفجر، حيث اقتحم مسلحون يحملون أسلحة آلية منزل أحد المواطنين، وهددوه بالسلاح، ثم انتقلوا إلى منزل آخر في نفس الحي، في دلالة على اطمئنان الجناة وغياب الردع الفوري.
في المقابل، أعلنت شرطة مباحث شندي عن تفكيك نشاط إجرامي وضبط متهمين في وقائع سرقة متعددة، ما يعكس جهدًا أمنيًا موجودًا لكنه غير كافٍ حتى الآن لاحتواء الظاهرة.
الوجود الأجنبي غير القانوني.. عامل ضغط أمني صامت
إلى جانب الجرائم المباشرة، برزت تحذيرات متصاعدة من الوجود الأجنبي غير المنظم في مناطق مثل قوزبرة، الشبطاب، الحميراب، والشارباب بمحلية المتمة.
وتشير شكاوى قانونية ومجتمعية إلى أن أعدادًا متزايدة من العمالة الوافدة تعمل دون أوراق رسمية أو رقابة أمنية، وتقيم في الأسواق، الأراضي الزراعية، ومواقع الكمائن.
ويرى قانونيون ومواطنون أن غياب الرصد والمتابعة قد يحوّل هذه البيئات إلى حاضنات محتملة للجريمة المنظمة أو الخلايا الإجرامية، خاصة في ظل حركة تنقل غير مقيدة بين المناطق.
السلاح داخل المدن.. الخطر الأكبر
أخطر ما يهدد الأمن في نهر النيل هو الوجود المسلح لعناصر نظامية أو مشتركة داخل الأحياء السكنية.
فقد وثّقت حوادث اشتباكات مسلحة داخل الأحياء، أسفرت عن إصابات، تدمير ممتلكات مدنية، بل ووصول الأمر إلى مقتل مواطنين، كما حدث في منطقة عقيدة الدوم.
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يردده المواطنون:
ما مبرر وجود قوات مسلحة داخل ولاية آمنة وبعيدة عن جبهات القتال؟
ويحذر مراقبون من أن تطبيع مشهد السلاح داخل المدن يقوّض هيبة الدولة، ويحوّل الخلافات الفردية إلى مواجهات دموية، ويفتح الباب أمام مزيد من التفلت والجريمة.
بين المسؤولية الرسمية والمجتمعية
أمام هذا المشهد المعقّد، تتقاطع ثلاث أزمات:
– ضعف الانتشار الأمني الليلي وعدم كفاية الدوريات.
– السلاح المنفلت داخل المدن والأحياء.
– غياب الرقابة على الوجود الأجنبي والأنشطة غير المنظمة.
ورغم مناشدات المواطنين بتكوين دوريات شعبية تطوعية، إلا أن خبراء أمنيين يؤكدون أن الحل لا يمكن أن يكون مجتمعيًا فقط، بل يتطلب:
– حسمًا رسميًا في ملف السلاح داخل المدن.
إعادة انتشار أمني فعّال خاصة ليلًا.
– تنظيم الوجود الأجنبي قانونيًا وأمنيًا.
– محاسبة شفافة لأي عناصر نظامية متورطة في تجاوزات.
ما يجري في نهر النيل لم يعد مجرد أحداث معزولة، بل مؤشرات خطيرة على تآكل الإحساس بالأمان في ولاية ظلت تُعد من أكثر مناطق السودان استقرارًا.
وإذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة وعاجلة، فإن خطر انتقال الولاية من حالة القلق إلى الانفلات الشامل سيظل قائمًا، مع كلفة إنسانية وأمنية يصعب احتواؤها لاحقًا.
الأمن ليس رفاهية… بل حق أساسي للمواطن، ومسؤولية لا تقبل التأجيل.



