ماذا تكسب المليشيا بالتصعيد ضد المدنيين؟!

تقرير: الطابية
اليوم، الخميس 18 ديسمبر، عاودت المليشيا هجماتها على المنشآت المدنية، حيث استهدفت طائراتها المسيّرة محطة كهرباء «المقرن» في عطبرة، ما أسفر عن مقتل عنصرين من الدفاع المدني وإلحاق أضرار بمحطات تحويل الكهرباء، وتسبب بانقطاع التيار في عدة ولايات من بينها نهر النيل والبحر الأحمر وأجزاء من الخرطوم..
وفي نفس اليوم استهدف قصف مدفعي للمليشيا وحركة الحلو، مدينة الدلنج بجنوب كردفان، لليوم الثاني على التوالي، حيث استمر القصف اليوم لعدة ساعات، سقط خلال عدد من القتلى والجرحى من المدنيين، كما طال القصف منشأة صحية تابعة للتأمين الصحي بدون إصابات وسط العاملين. وكشفت شبكة أطباء السودان، أن حصيلة يومين من القصف المتواصل على المدينة، بلغ حوالي ستة عشر مدنياً.
وأمس الأربعاء، استهدفت طائرة مسيّرة مجموعة من النازحين في قرية «الكوركل» جنوب كردفان أثناء فرارهم من كادوقلي، ما أودى بحياة 8 أشخاص، معظمهم نساء، وفق شهود عيان.. والسبت الماضي قصفت طائرة مسيرات المليشيا منشأة تابعة لبعثة الأمم المتحدة، كادوقلي ، ما أدى إلى مقتل 6 من قوات حفظ السلام وجرح 8 آخرين.
إذن فقد جاءت حادثة اليوم، في سياق تصعيد مكثّف وممنهج للهجمات، ظلت تشنّه المليشيا على المدنيين والأهداف المدنية الحيوية مثل المستشفيات ورياض الأطفال وقاعدة أممية، طيلة الأسابيع الأخيرة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 100 مدني قُتلوا منذ 4 ديسمبر/كانون الأول حتى اليوم في هجمات بالطائرات المسيّرة في كردفان، من بينهم 43 طفلاً. وأشارت تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة وهيومان رايتس ووتش، إلى أن هذه الانتهاكات تندرج ضمن جرائم حرب، وقد أسفرت عن نزوح الملايين ودمار واسع للبنية التحتية.
آثار إنسانية كارثية:
تؤكد تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية أن انتهاكات حقوق الإنسان والتصعيد المتكرر في الهجمات على المدنيين، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة التي قتلت وجرحت المئات، يُعد من أهم عوامل دفع السكان إلى النزوح المستمر. وتشير هذه التقارير إلى أن النزوح لم يعد مؤقتاً بل بات ظاهرة متواصلة تفرض أعباء كبيرة على الاستجابة الإنسانية.
وكشفت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، من خلال مكتبها في جنيف، أن أكثر من 1,000 شخص نزحوا حديثاً من مدينة كادوقلي عاصمة جنوب كردفان خلال أيام في ديسمبر الحالي، وواصل آلاف آخرون رحلتهم إلى ولايات أخرى داخل السودان، فيما عبر بعضهم الحدود إلى جنوب السودان بحثاً عن الأمان. وذكرت أن أكثر من 50,000 شخص فرّوا من مناطق كردفان منذ أواخر أكتوبر وحتى منتصف ديسمبر 2025 مع تدهور الأوضاع الأمنية، وهي موجات نزوح جدد نتجت عن التصعيد في القتال والهجمات على المدنيين والبنى الأساسية.
لماذا تستهدف المليشيا المدنيين؟
يرى محللون أن استهداف الدعم السريع للمدنيين والمنشآت الحيوية، هوجزء من استراتيجية لإضعاف سيطرة الجيش وإحداث ضغط نفسي ومعنوي على السكان والحكومة، بما يعزز موقعهم التفاوضي على الأرض، بحسبان أن ذلك الضغط المتواصل سوف يؤدي إلى نهاية الأمر إلى تنامي رغبة الناس في وقف الحرب بأي كيفية، مما يضعف السند والالتفاف الشعبي الذي يتمتع به الجيش السوداني.
ويرى البعض أن جهود تطبيع الحياة في العاصمة الخرطوم وغيرها من المدن، المتزامنة مع عودة ملايين السودانيين من الشتات إلى ديارهم، ضمن ما يسمى ببرنامج العودة الطوعية، تلك الجهود تستفز المليشيا وقيادتها، وتدفع بها باستمرار لمحاولة إيقاف عودة الحياة لطبيعتها.
لا تكترث للعقوبات:
وعلى الرغم من العقوبات التي فرضتها دول غربية على قيادات في الدعم السريع، بما يشمل تجميد أصول وحظر سفر، فإن القوات تواصل حملاتها، ويرجع محللون ذلك ناجم عن قدرتها على الاستفادة من ضعف المراقبة الدولية في مناطق النزاع، وتعويض الخسائر بسرعة، بالإضافة إلى اعتقادها أن الضغط الدولي لن يوقف تحركاتها على الأرض.
وتفتح تلك الملاحظة نافذة على دور الإمارات، في تثبيط أي تحرك يسعى إلى اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات أكثر صرامة لوقف انتهاكات المليشيا، بما في ذلك الرشاوى، واستغلال المصالح المشتركة مع الحكومات والغربية والهيئات الدولية.
ويلفت محللون الانتباه إلى أن أي إجراءات عقابية في حق المليشيا، لن تكون ذات جدوى، مالم تواطئها إجراءات عقابية تطال الإمارات، التي تمدها بالمال والسلاح والعتاد، وتجنّد لها المرتزقة من أصقاع الأرض ليقاتلوا في صفوفها، وأنه طالما استمر المال الإمارات في التدفق عل المليشيا، فإن المليشيا لن توقف حربها ولا انتهاكاتها بسبب أي إجراء عقابي.
والخلاصة أن هناك موقف شعبي متوافق مع الموقف الرسمي والعسكري، يرى أن إيقاف الحرب لن يكون إلا بعد حسم التمرد، وإجباره على وضع السلاح، وبناءً عليه فإن أية حلول تفاوضية، تستبطن تكريس وجود المليشيا، وإعادتها للحياة السياسية مرة أخرى، هي حلول غير مقبولة..
هذه الرؤية الوطنية السودانية، تتعارض مع الرؤية التي تريد الإمارات تسويقها من خلال الرباعية الدولية وغيرها من المبادرات التي وجدت رفضاً واضحاً من السودانيين.
تحاول المليشيا وكفيلها الإقليمي، أن تكسر الموقف الشعبي، من خلال الضغط على الشعب بهذه الانتهاكات والاعتداءات المستمرة، والهجمات على المرافق الحيوية، وصولاً إلى انهيار الإرادة الشعبية، وقبولها بالحلول المطروحة على علاتها، ورغم ما تنطوي عليه من كواراث.



