
تقرير: أحمد غباشي
يتقدم الجيش في سهول كردفان ووهادها..وتتراجع المليشيا منهزمة منهكة القوى والعقل!!..ومع كل خطوة يخطوها الجيش في معركة الكرامة، تتكشف هشاشة التكوين الذي نسجته قوى الشر، وتبدأ رحلة الانهيار وتداعي أحلام آل دقلو..
واليوم تشهد المليشيا أخطر مراحل تفككها الداخلي منذ اندلاع الحرب.. خسائر ميدانية موجعة في محاور القتال في كردفان، واقتراب للقوات المسلحة والقوات المشتركة من مناطق حساسة في دارفور..كل ذلك بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في عمليات التصفية الجسدية، وتبادل الاتهامات، والانقسامات القبلية!.. تلك التصفيات كشفت عن أزمة حقيقية في العقل القيادي للمليشيا!!..حيث لا تعرف تلك القيادة إلّا أسلوباً واحداً لمعالجة المشكلات، هو “التصفية” والتخلص من الخصوم الأقوياء.. عالجت تلك القيادة فشلها في محاور كردفان باللجوء إلى التصفيات، وتحميل الخصوم فاتورة الهزيمة.. وبدلاً عن المحاسبة العسكرية، يكون الدواء هو التصفية والقتل غيلة على طريقة الحشاشين!.
تصفية دموية في “خزان جديد”:
آخر تجليات المشهد كانت في جنوب دارفور، حيث قُتل قائد المليشيا في منطقة خزان جديد بجنوب دارفور، اللواء خلا عبد الله دولي، إلى جانب شرتاي المنطقة ونائبه، إثر اشتباكات دموية اندلعت بين أجنحة متصارعة داخل المليشيا.
وبحسب مصادر محلية، اندلعت المواجهات عقب محاولة قوة قادمة من نيالا – وُصفت بأنها من “نخبة الجنجويد” – تنفيذ حملة اعتقالات، وهو ما قوبل برفض من القائد المحلي، ليتحول الخلاف سريعاً إلى اقتتال داخلي.
الاشتباكات أسفرت عن مقتل أكثر من عشرة عناصر، وحرق منزل الشرتاي بالكامل بمن فيه من أفراد أسرته، وتشريد مدنيين، وسط حالة ذعر عمّت المنطقة، ما يعكس انهيار السيطرة والانضباط داخل المليشيا، وتحول الأحياء السكنية إلى ساحات تصفية حسابات..
نيالا… مدينة تترقب حمى التصفيات
بالتوازي مع أحداث «خزان جديد»، تخيّم أجواء التصفية على مدينة نيالا، حيث كشفت مصادر متطابقة عن صدور أوامر مباشرة من قيادة المليشيا بتصفية ضباط ميدانيين كبار، على خلفية تقارير قاتمة من محور كردفان، تتهمهم بالفشل العسكري، وبيع السلاح، واختلاس المرتبات، والانخراط في أنشطة تجارية وفدية خارج السيطرة.
ووفق المصادر، صدرت التوجيهات خلال اجتماع سري داخل مبنى حكومة ولاية جنوب دارفور، وكُلّف العميد ماهري، ممثل عبدالرحيم دقلو، بتنفيذها. وتشمل قائمة المستهدفين: اللواء الناعم عبد الله محمد، المقدم موسى محمد عمر عيساوي، الرائد الطاهر نينا
المدينة، التي “لا تنام على سر”، تعيش حالة ترقب مشوبة بالخوف، مع تداول أسماء الضباط المستدعين في جلسات مغلقة ومقاهٍ معروفة، وسط قناعة متزايدة بأن مرحلة “المحاسبة الصامتة” قد بدأت.
كردفان… الهزيمة تفجّر الصراع في القمة
الهزائم المتلاحقة التي مُنيت بها المليشيا في كردفان شكّلت العامل الأبرز في انفجار الصراع داخل غرفة القيادة.
مصادر مطلعة أكدت تصاعد الخلاف بين عبد الرحيم دقلو وقائد استخبارات المليشيا العميد عيسى بشارة، الذي حُمّل مسؤولية الاختراقات الأمنية وتسريب المعلومات، بما في ذلك داخل الدائرة المقربة من أسرة آل دقلو.
وبحسب هذه المصادر، فإن تدني كفاءة بشارة المهنية، وفشله في ضبط الإيقاع الاستخباري، دفع عبد الرحيم إلى إصدار أوامر مباشرة بتصفيته، في خطوة تعكس حجم الهلع داخل القيادة، ومحاولة البحث عن “كبش فداء” للهزائم الميدانية.
تصفيات ذات طابع قبلي… خطر الانفجار الداخلي
التوترات الحادة بين الماهرية والمحاميد، جلبت بعض القادة الميدانيين إلى قائمة المغضوب عليهم، ومن هؤلاء القائد علي رزق الله السافنا، الذي أصبح هدفاً مباشراً لتوجيهات تصفية.
وأفادت مصادر محلية أن قيادة المليشيا أعربت عن استيائها مما يجري في بادية مستريحة بشمال دارفور حاضرة قبيلة المحاميد التي ينتمي لها القائد المليشي علي رزق الله السافنا الذي تم تعيينه مؤخراً قائدا لقوات المليشيا في محور كردفان.
ولم يعد سراً أن عبد الرحيم دقلو أصدر تعليماته بتصفية السافنا بعد أن فشلت المليشيا في تحقيق اي تقدم في هذا المحور، نتيجة للتجاذب بينهم وبين السافنا الذي أصبح مع اخرين من أبناء عشيرته المحاميد في مرمى نيران الماهرية، ما يعكس تصاعد البُعد القبلي في الصراع داخل المليشيا.
الأمر لا يقف عند حد المحاميد، بل يتجاوزها إلى القبيلة التي لها أكبر وجود في التمرد بعد الرزيقات، وهم المسيرية، الذين كان كثير من أبناؤهم هدفاً لتصفيات تمت بتوجيهات عبد الرحيم دقلو.. ومؤخراً كشفت مصادر عن أوامر بتصفية العقيد التاج التجاني، قائد المجموعة العاشرة، وسط احتقان غير مسبوق بين أبناء المسيرية، الذين يرون في الاستهداف المتكرر لقياداتهم نهجاً إقصائياً منظماً.
يتهم عبد الرحيم دقلو التجاني بالخيانة، والتواصل مع متحرك الصياد، وهي اتهامات ترافقت مع حملات إعلامية مسيئة يقودها ناشطون محسوبون على الماهرية، الأمر الذي ينذر – في حال تنفيذ التصفية – بردة فعل قد تتجاوز الصمت إلى انسحابات جماعية وتفكك واسع داخل صفوف المليشيا.
«قبَّة» و«قروش».. نهاية الثقة القديمة
ضمن دائرة الشك المتسعة، برز اسما اللواء خلا النور أحمد قبَّة ورفيقه عبد الله أبكر (قروش)، وهما من أقدم قيادات المليشيا.
مصادر مؤكدة تحدثت عن توجيه صدر من داخل “خيمة عبد الرحيم دقلو” بتصفيتهما، على خلفية معلومات تشير إلى احتمال انقلابهما عليه فور دخول القوات المسلحة والقوات المشتركة إلى شمال دارفور.
الدلالة الأعمق هنا أن التصفية لم تعد تستهدف الفاشلين فقط، بل باتت تطال القيادات التاريخية، ما يعني أن رابطة الولاء داخل المليشيا انهارت بالكامل، وحلّ محلها منطق الشك والاستباق الدموي.
أزمة العقل القيادي تقود المليشيا إلى حافة الانهيار
ما يجري داخل مليشيا الدعم السريع لم يعد خلافات عابرة أو صراع نفوذ محدود، بل تفكك بنيوي ناجم عن أزمة عقل معقّدة لدى قيادة المليشيا، وخصوصاً عبد الرحيم دقلو، الذي يتعامل مع سياسية التصفية كأداة حكم داخلية!.. هذه الأزمة تتغذى على؛ الهزائم العسكرية في كردفان، والخوف من فقدان السيطرة الاستخبارية، بجانب تصاعد الصراع القبلي.
في ظل هذا المشهد، تبدو المليشيا أقرب إلى كيان مأزوم يلتهم نفسه، بينما تتحول التصفية من وسيلة لضبط صف المليشيا، وفقاً لاعتقاد قيادتها، إلى عامل تسريع لانهيارها، حيث تفتح الباب واسعاً أمام سيناريوهات الانسحاب الجماعي، أو الانشقاقات المسلحة، وقد تؤدي إلى صدامات داخلية واسعة، ربما تعيد رسم خريطة الصراع في دارفور وكردفان خلال المرحلة المقبلة.



