
*أحمد غباشي*
ما يقارب السبعين عاماً مرت على استقلال السودان، وشاخت أجيال ولدت ذلك التاريخ، بل صار أحفاد أبنائهم رجالاً، وما زال السودان يترنح ويتخبط طريقه إلى الدولة الراشدة!!..دول عديدة، عقب هذا التاريخ بسنوات، نشأت من التراب، بعد إذ لم تكن شيئاً، وصارت دولاً يشار إليها بالبنان!!.
يتحدث السودانيون، بكثرة، عن كيف أنهم من بنوا تلك الدويلة، وصنعوا تلك، وعلّموا أولئك الخط والكتابة..إلخ من مرويات الذاكرة الجميلة، التي لا ينكرها عليهم أحد!!..ولكن فقط تثير تساؤل المتعجب “وماذا صنعتم لبلادكم”!!؟..
استضاف تلفزيون السودان بالأمس، الخبير الاستراتيجي بروفيسور محمد حسين أبو صالح، صاحب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، في حديث حول ما ينبغي أن يكون عليه الأمر بعد الحرب، ولكنه قدم تشخيصاً واضحاً للمشكلات الأساسية التي ظلت محتضنة في المجتمع السوداني ولم يكترث إليها أحد، ووضع يديه على مكامن الفشل الوطني، بصورة لا يحبها أكثر السياسيين..وكشف عن خلل كبير فيما سماه “بالهندسة الثقافية” للإنسان السوداني..ذلك الخلل الذي جعل منه كائناً ممتلئاً بالاختلالات القيمية، لا يعرف كيف يرتب ولاءاته، ولا كيف يوازن بين قيمه المحلية والمصالح الوطنية، ولا يستوعب كيف تعود عليه رعاية تلك المصالح الوطنية بالفائدة.. وأن الحكومات المتعاقبة أهملت كل ذلك في عملية البناء الوطني، وهو ما جعل قطاعات كبيرة من أبناء السودان مسكونة بالعصبية القبلية والغبن الاجتماعي، حتى انفجر الأمر إلى هذه الحرب المجنونة!!..
يخرج المرء من رحلة التأمل في الحالة السودانية بحقيقة كبيرة، وهي أن النخبة السياسية التي جعلت لنفسها الحق في تداول الحكم والسلطة والصراع عليها واحتكرت الحديث لنفسها، بل التي صنعت هذا المضمار للتنافس والصراع والاقتتال السياسي، ووضعت قوانينه، هي أصل الفساد الذي أدى إلى توقف النمو الوطني السوداني، وأنتج لنا هذا “الكائن السيامي”!!.. بجسده الضخم المتختزن بكل المميزات والثروات، وبعقله السياسي الضئيل الذي لا يتجاوز عقل العصفور!!..
النخبة السياسية السودانية منذ الاستقلال، بل منذ أن صنع لنا المستعمر ما يسمى بـ “الجمعية التشريعية” وأنتج لنا الأحزاب، بشقيها “الاستقلالية” أو “الاتحادية”، وما نشأ بعد ذلك من قوى سياسية في أقصى اليسار وأقصى اليمين، كلها جميعها، ساهمت في صناعة الأزمة التي انتهت بنا إلى حالة الدمار، وأدت إلى حالة فقدات الأمل التي تعيشها الأجيال الحالية..فقد أدمنت النخبة السياسية تحطيم أحلام الأجيال وتطلعاتهم إلى غد جميل!!.
والسبب في ذلك أن كل تلك القوى السياسية القديمة، والحديثة التي ولدت بعد ذلك، لم تكن تنظر إلى برنامج وطني حقيقي يمكن أن يصعد بالسودان، بمعزل عن كونها في السلطة أم لا؟!..كل تلك القوى السياسية كانت ترى شيئاً واحداً، هو أن الحل يكمن في أن تحكم هي أولاً، ثم تفكر في الحلول بعد ذلك!!..فإذا حكمت انشغلت بالصراع من أجل تثبيت نفسها، حتى يأتي الطوفان فيطيح بها في شكل انقلاب عسكري وما شابه!!..ثم لا تجد ما تعتذر به إلا القول بأنها لم تعط فرصة كافية لتنفذ برنامجها!!..وبعد السقوط، يصبح مشروعها الوحيد، وهي في المعارضة، هو إسقاط النظام القائم بأي كيفية، عمالة كانت أو ارتزاق، ويصبح أعداء الأمس حلفاء اليوم!!.. وفي خضم هذا الصراع البائس، ترُكت الاشكالات الأساسية للمجتمع السوداني، لا يتناولها أي نوع من الخطاب، سواء كان من السلطة القائمة، أو من القوى المعارضة..وكأن الدور المفترض من المجتمع السوداني هو أن يعمل كرافعة لهؤلاء السياسيين ليأتي بهم إلى الحكم، ثم يعود إلى معانقة أمراضه التي لا يكترث بها أحد!!.
لست أدري أي نوع من التفكير يجعل القوى السياسية، تعتقد أنه لا عمل لها في المجتمع السودان، إلا استقطابه لصالح عضويتها ودعم مشروعها، الذي لا يرى منه الناس في الغالب إلى الجانب الدعائي فقط؟!.. لماذا تعتقد تلك الأحزاب أنه لا عمل إيجابي وبنائي يمكن أن تلعبه في بناء المجتمع إلّا أن تكون في السلطة؟!..ولماذا ترى تلك الأحزاب أن أصحاب الأفكار والقدرات من الذين لا يتعاطون العمل السياسي ضمن كيانات حزبية لا يحق لهم الحديث عن السياسة ولا تعاطيها من أجل إصلاح حال المجتمع والدولة!؟..هذه أسئلة يجب على القوى السياسية أن تواجه به نفسها.. كما تواجه نفسها بأسئلة أخرى نحو: هل وجودها هي كقوى سياسية شرط أساسي في بناء الدولة؟!.. أم هو عامل ثانوي مساعد يمكن أن يؤدي دوراً ما في ترشيد عمل الدولة؟!.
اعتقد تماماً أن المجتمع السوداني بعد هذه الرحلة الطويلة من الفشل والإحباط، وبعد هذه الحرب التي حصدت أرواحه وأموالها وحياته واستقراره، من حقه أن ينعم بإجازة طويلة يستريح فيها من إطلالة هذه الوجوه السياسية البائسة التي أزَّمت حياته وفاقمت أزماته، يحتاج إلى فترة نقاهة يعالج أمره فيها جراحون وأطباء مهرة قادرون على تلمس مواطن الداء واستلاله بمهنية تامة، بعيداً عن أية مؤثرات من انتماءات حزبية ضيقة أو عصبيات قبيلية..
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



