تقاريرسياسة

المشهد العسكري.. استراتيجيات جديدة

تقرير: الطابية
بات واضحا التحول الكبير في الاستراتيجية العسكرية للجيش السوداني، من موقف الدفاع وحماية المواقع العسكرية إلى الهجوم واستعادة الأراضي المفقودة، يتضح هذا الأمر بجلاء من خلال موقف العمليات ويوميات الحرب في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث.
التقدم الكبير في محاور أم درمان والخرطوم بحري، من الواضح أنه كان نتيجة لتضافر جهد استخباري دقيق مع جهد عسكري تم تنسيقه بإحكام، ليؤدي في النهاية إلى كنس كامل للمليشيا من مناطق ظلت مسترخية فيها لأكثر من سبعة أو ثمانية أشهر، كما هو الحال في أحياء أم درمان القديمة؛ أبو روف، وود نوباوي، وحي العمدة، والعباسية، وبانت، وسوق أم درمان، وغيرها.. بالإضافة إلى الأحياء الشمالية من بحري حيث بدأت الحياة تعود بعد العمليات الناجحة التي نفذه الجيش هذا الأسبوع وكسر بها شوكة المليشيا.
وعلى صعيد الولايات الأخرى تمكنت فُرُق الجيش من كبح جماح تقدم المليشيا التي أسكرتها نشوة الانتصار السهل الذي حققته في ولاية الجزيرة فانفلت تعيث في أرضها فسادا ونهبا وترويعا وإذلالا لأهالي المدن والقرى العزل البسطاء..
ولكن شوكة ذلك الجموح تم كسرها، وأنف الغرور الطاغي أرغمت التراب على تخوم سنار، ومرغت في الوحل على مشارف الفاو، وإذلّت كما لم تذل من قبل في بابنوسة الصامدة، وفي الأبيض والدلنج وسائر مدن كردفان.
إن اجتياح المليشيا لود مدني ومدن وقرى الجزيرة برغم كونه صادما، إلا أنه كشف عوراتها الكثيرة، التي من أهمها افتقادها الانضباط تحت قيادة موحدة، وهذا ما اعترف به قائد التمرد حميدتي في محاولة يائسة للتبروء من الجرائم التي ارتكبتها عصاباته هناك.. ثم تكالبهم على الغنائم والنهب والسلب أكثر من تحقيق الأهداف الحربية، وهو ما فتح الباب على مصراعيه للصراعات بين القادة، على نحو ما رشح في الأخبار.
التمدد عير المحسوب للمليشيا هنا وهناك، يمكْن الجيش من الاستفادة منه بنجاح، بتوجيه ضربات مركزة للنقاط الحيوية التي أصابها الضعف جراء ذلك التمدد، فقد وجه الجيش ضربات قوية لتمركزات المليشيا في العاصمة وتمكن من إعادة رسم خريطة الانتشار، ودك بالطيران الحربي معاقلها ونقاط الإمداد في الضعين ونيالا وعدد من مدن دارفور.
ويتحدث المراقبون لتطورات المشهد السوداني عن أن حصول الجيش على كميات وفيرة من الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الحربية كانت عاملاً مهماً في تعديل ميزان القوى، لأنه أضاف له ميزات تفصيلية خاصة فيما يتعلق بسلاح المسيرات، كما أنه يمكنه من تفعيل قوة المستنفرين والمقاومة الشعبية التي انتظمت بطول البلاد وعرضها، وبهذا يستطيع ردم الفارق الكبير في العدد الذي كان بينه وبين المليشيا التي تستقبل، بشكل مستمر موجات عاتية من المرتزقة والوافدين من عربان الشتات الإفريقي.
ولكن تبقى أكبر نقاط ضعف الموقف الحكومي شاخصا، في الجانب السياسي، فما زالت البلاد بدون حكومة حرب حقيقية مستوعبة لواجباتها في مثل هذا الظرف الحرج، وتستطيع أن تدير المعركة السياسية بنجاح في مختلف الجوانب؛ دبلوماسيًا على الصعيد الدولي والإقليمي، واجتماعيا على صعيد رجالات الإدارات الأهلية لتجريد التمرد من حواضنه الاجتماعية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى