
حالة الانفلات الاقتصادي التي يعيشها السودان هذه الآونة الأخيرة، هي حالة غير مسبوقة، في تاريخ السودان، فلم يحدث من قبل يشاهد السودانيين من قبل نموذجاً للانفلات في أسعار الصرف، وأسعار السلع، كالذي يشاهدونه في أيامهم هذه..ورغم التراجع الأخير في أسعار العملات الأجنبية، إلا أن الجميع يكادون يكونون واثقين، ذلك التراجع ما هو إلا استراحة مؤقتة، تواصل بعدها العملة المحلية رحلة السقوط الرهيبة!!.
والعجيب أن الدولة هي المتسبب الأول والأخير في كل الكوارث التي وقعت على رأس المواطن البسيط، الذي فقد تماماً قدرته على مجارات جنون أسعار السلع والخدمات، بل انعدامها حتى.. فضلاً عن الانفلات الأمني الكبير وانتشار النهب والسلب بصورة يومية وعلنية، مما يجعل السودان بلداً غير صالح للسكنى..
الدولة هي المتسببة في الكارثة الحالية بتطبيقها لحزم سياسات نقدية، بطريقة حرفية لم تراع فيها على الإطلاق ما يمكن أن تنجم عنه من آثار كارثية تؤدي في نهاية المطاف إلى نسف استقرار المجتمع في الدولة، وبالتالي فشل السياسات نفسها.
في وضع يعاني من الهشاشة المفرطة، مثل وضع الاقتصاد السوداني، مصحوباً بعدم استقرار سياسي طويل الأمد، وعدم استقرار أمني، بجانب كثافة من الالتزامات السياسية ذات الكلفة الباهظة، مثل اتفاق سلام جوبا، بجانب خذلان من الدول الداعمة لما يسمى بالتحول الديمقراطي، ونكوص كامل عن كل الوعود التي تم قطعها، يصبح تمسك الدولة بأهداب السياسات النقدية للبنك والدولي وصندوق النقد، إما تعبير عن غباء مفرط، أو تخلي كامل من الدولة عن مسؤوليتها، وإلقائها على كاهل المواطن، الذي أصبح هو المورد الوحيد السهل للحكومة السودانية، في جميع عهود ما بعد الثورة، قبل انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر وبعده.
حالة الفشل الاقتصادي، كانت أولى الصدمات التي تلقاها المواطن السوداني، بعد الثورة، الذي كان يأمل في وضع يمسح عن جبينه بعض العرق المتفصد نتيجة للفشل الاقتصادي الذي صاحب عهد الإنقاذ، خصوصاً في سنواتها الأخيرة، بعد أن اتبعت وصفات صندوق النقد الدولي المهلكة.. ولكن المواطن السوداني فوجئ بصدمات متتالية لحزم سياسات اقتصادية غير مدروسة، انتهت جميعها بالفشل، وسقوط تبعاتها على كاهل المواطن السوداني، وتسببت في بدء الجنيه السوداني رحلة الهبوط الكبير.
وكانت أولى تلك الصدمات، المؤتمر الاقتصادي الذي أقامته “قحت”، أقرت فيه سياسة تحرير السلع الأساسية؛ الوقود والدقيق.. ثم كان ما قام به حمدوك الذي دفع بمئات الملايين من الدولارات عبارة عن غرامات وتعويضات للولايات المتحدة، في جرائم لا صلة للسودان بها، وفشلت أمريكا طوال عهد الإنقاذ في إيجاد سند قانوني يخول لها أن تلزم السودان بدفع تلك الغرامات، حتى من قضائها الداخلي.. ولكنها وجدت في بلاهة حمدوك أو عمالته فرصتها السانحة، ليفرغ خزائن الدولة وجيوب السودانيين من العملات الصعبة، ويدفعها لضحايا تفجير السفارات الأمريكية في كينيا وأوغندا قبل أكثر من بضع وعشرين سنة، وذلك مقابل رفع صوري للسودان من قوائم الإرهاب الأمريكية، وهو إجراء لم يستفد منه السودان شيئاً، إلا في أحلام مهووسي “قحت”.. كانت تلك هي الفعلة التي توالى بعده السقوط المدوي للجنيه السوداني.. في ظل انصراف تام للدولة عن استثمار الموارد الذاتية الضخمة التي يتمتع بها السودان، والتي كان يكفي التركيز مورد واحد فقط منها للخروج بالسودان من قاع أزمته.
وحين جاء وزير المالية الحالي د.جبريل إبراهيم الذي قدم إلى الخرطوم، بعد سنوات من ما يسمى بـ “الكفاح المسلح” من أجل العدالة والمساواة.. لم يكن جهده إلا إكمال دائرة الشيطان، باتباع سياسة تعويم الجنيه، على الرغم من تحذيرات الاقتصاديين آنذاك، من خطورة تلك السياسة إذا لم تأخذ الدولة شروطها بحزم..واتجه الوزير تطبيق سياسة الحقن بمسكن طويل الأمد، للحفاظ على استقرار سعر صرف الجنيه السوداني، تمثل ذلك في مزادات العملات الصعبة التي تجاوزت بضعة عشر مزاداً، أقامها البنك المركزي، للحفاظ على استقرار صوري لسعر العملة السودانية..
إلا أن عدم المسؤولية لدى كل أطراف العملية السياسية، التي جعلتهم يقدمون مصالحهم الحزبية والذاتية على إنقاذ الوطن المريض المحتضر، فدارت دوامة الصراع التي انتهت بالإطاحة بعصابة أحزاب “قحت”، وإبعادها من المشهد في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر الذي قاده المكون العسكري، مسنوداً غالب قوى شركاء السلام.
ورغم الوعود التي أطلقها رئيس مجلس السيادة عقب إطاحتها بقحت، بإصلاح الوضع المعيشي للمواطن المنهك، واستعادة الاستقرار السياسي بتكوين المؤسسات، التي ماطلت قحت في تكوينها طوال ثلاث سنوات، إلا أن شيئاً من ذلك لم ينفذ، بل حتى المؤسسات القديمة فقدت، وأصبح السودان بدون مجلس وزراء يدير دفة البلاد، والوزارات يديرها الوكلاء، إلا بعض الوزارات التي كانت من نصيب شركاء السلام وعلى رأسها وزارة المالية، التي كانت وزيرها جبريل أهم مساندي إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر.
أصبح جبريل يدير وزارة غير محكومة بمجلس وزراء يراجع سياساتها ويضبطها ويجيزها، فاستمر في تطبيق إجراءات قاسية جداً، يتحمل عبئها المواطن البسيط ذو الدخل المحدود وحده، ومن ذلك تحرير الدولار الجمركي، زيادة ضريبة القيمة المضافة (vat)، وما ادعاه من رفع وزارة المالية يدها من تحديد أسعار الوقود.. تلك السياسات هي التي أشعلت حرائق التضخم ليبلغ مستوايات غير مسبوقة، ارتفعت أسعار السلع بشكل كارثي فاقت القدرات الشرائية للمواطنين..وسحقت الطبقات الدنيا والوسطى تماماً.. وتسارعت وتيرة زيادة الأسعار بشكل مرعب، وأصبحت عبارة عن بورصة يومية.
وليس هناك أعجب من أن تقوم الدولة نفسها بزيادة قيمة الوقود 4 مرات في شهر واحد، متجاوزة به ضعف سعره في أول الشهر!.
ثم جاء الانفلات الأخير في سعر صرف الجنيه، ففجأة تحولت العملات الأجنبية إلى سلعة يتم المضاربة عليها على أوسع نطاق، بعد أن إنهار الاستقرار الصوري الذي كان جبريل يثبته بدبابيس مزادات النقد الأجنبي في بنك السودان.. ولم يوقفه إلا عودة جبريل مرة أخرى إلى ممارسة سياسة الحقن بالمسكن.. الذي يعني في النهاية تبديد قدرات الدولة المالية، وإغراقها بالديون، جراء الودائع المالية التي تقوم الدولة بإنفاقها لإحداث الاستقرار الصوري.. بدلاً من الاستفادة من استثمار السلع النقدية من صمغ عربي، وحبوب زيتية، وقطن، وغيره.. بالإضافة إلى الذهب الذي أصبح ملفاً مغلقاً يمنع منعاً باتاً الاقتراب منه.
الأثار المدمرة للسياسات الاقتصادية التي مارستها الحكومة بالاتباع الحرفي لسياسات صندوق النقد، تمثلت في أحداث شلل اقتصادي تام.. فرفع الدولة يدها تماماً عن دعم السلع الأساسية مثل الوقود والقمح، بجانب الخدمات مثل الكهرباء، وخلافه، مما أثر على تكلفة إنتاج السلع وتسويقها، وبالتالي ارتفاع جنوني في الأسعار، فاق القدرة الشرائية للمواطن، وكانت النتيجة الحتمية هو حدوث كساد كبير في السوق.. بجانب فقدان كثير من أصحاب الأموال لثرواتهم بشكل مفاجئ، خصوصاً المستثمرين الذين كانوا منخرطين في عمليات مالية طويلة ومرتبطة بالتزامات مقدرة بقيمة محددة، تحول كثير من أولئك المستثمرين إلى مدينين بسبب الخسارات الكبيرة التي منوا بها نتيجة الاضطراب الكبير المفاجئ في سعر الصرف، فضلاً زيادت أسعار السلع ومدخلات الإنتاج بشكل غير منطقي ولا منتظم.. هذا فضلاً حالات الانفلات الأمني، بسبب تراخي قبضة المؤسسات الأمنية، وكثرة التظاهرات المخالفة للقانون، والتعدي على الطرق القومية.
لست أدري من قذف روع الدولة في السودان أن سياسة التحرير الاقتصادي، تعني أن ترفع الدولة يديها تماماً، وتعقدهما خلف ظهرها، ولا تتدخل بشيء حتى إن كانت ترى قطاعاتها الاقتصادية تتحطم الواحدة تلو الأخرى، بفعل ما تنتهجه من سياسات.. ورغم أن سياسة التحرير الاقتصادي هي واحدة أدوات الهيمنة التي تمارسها الولايات المتحدة لسرقة اقتصادات العالم..رغم ذلك فإن كل الدول التي اضطرت للأخذ بوصفات الصندوق، لم تكن في يوم من الأيام ملزمة بالتطبيق الحرفي للإجراءات، وكانت في الغالب تتبع معالجات ملائمة تحافظ بها على بنيتها الاقتصادية من الإنهيار التام.. والحالة المصرية بعد ثورة 25 يناير مثال، وكذلك الحالة التونسية.. بل إن الدول الرأسمالية الكبرى، تتدخل مالياً لدعم قطاعاتها اقتصادية دعماً مباشراً، من أجل الحفاظ على توازن اقتصاد الدولة.
لكن من غير الطبيعي أن تعمد الدولة لإفشال العملية الاقتصادية برمتها، بسبب إصرارها على اتباع سياسات الصندوق، من أجل تحصيل أهداف تتمثل في وعود بقروض مالية، لن تزيد أزمة السودان إلا تعقيداً، خاصة مع وجود بنود صرف كبيرة على عمليات سياسية، ليست ذات عائد اقتصادي، ولا تناسب الوضع الحرج للاقتصاد السوداني..
السودان بحاجة إلى حالة طوارئ اقتصادية جادة، تسلم فيها زمام الأمور في الدولة إلى تكنوقراط حقيقيين، مرفوع عنهم أي التزامات سياسية، سوى أحداث استقرار اقتصادي، في فترة محددة، يخرج بعدها السودان من عنق الزجاجة اعتماداً على موارده ثرواته الطبيعية، لا على جيب المواطن البسيط.
إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس



