سياسة شرعيةمقالات

قراءة في “معالم الدستور الإسلامي ” لأحمد صفي الدين عوض (*)

كتبت :نجاة حاطط
منذ فبراير-“شباط ” 1947م، إبان عهد الاحتلال الثنائي، الذي عمل جاهداً على محو الثقافة الإسلامية من السودان حتى لاتتكرر من جديد تجربة الثورة المهدية برايتها الإسلامية وحسها الوطني والقومي اليقظ وثوريتها الجهادية.. منذ ذلك التاريخ ترك الأستاذ أحمد صفي الدين عوض مهنة تدريس العلوم الطبيعية بمصلحة المعارف وتفرغ لدراسة نظام الحكم في الإسلام والدعوة له إيمانا بذلك الغرض المقدس، ونشر خلال شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 1956 خمس مقالات تحت عنوان “معالم الدستور الإسلامي” في جريدة “الإخوان المسلمون” التي كانت تصدر في الخرطوم وكانت ملتقى لأقلام الداعين إلى الإسلام من مختلف المدارس الفكرية عندما كان يشرف على رئاسة تحريرها الراحل الأستاذ صادق عبدالله عبدالماجد، ثم كان أن توسّع صفي الدين في تلك المقالات لينشر بحثا له موسوما بـ” معالم الدستور الإسلامي”.
ولأن المشهد اليوم – المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي في السودان – في أمسّ الحاجة إلى مثل هذه الرؤى الدعوية والدعوات الفكرية المنطلقة من التصور الإسلامي الشامل للحياة، يقابل ذلك غثاء من الأفكار الهدامة والنظريات المستوردة والموجة العلمانية بشعاراتها البراقة في الحرية والرفاه والعدالة الاجتماعية والتي تخفي وراءها سرابا خلَّباً يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا..
عُرّف صفي الدين بأهداف الدستور الإسلامي للسودان مناديا بدستور يستمد أحكامه من القرآن الكريم والسنة الغراء..دستور يعترف بالشعب مصدراً للسلطات جميعها في أنحاء الدولة كآفة وسائر نواحي الجهاز الحكومي مالم يخالف الإسلام في تشريع.. دستور يكفل لجميع أهل السودان العدل في ميادينه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويكفل لجميع أفراد الشعب المساواة في الأوضاع وفي تكافؤ الفرص، وأن يكون الجميع سواء أمام القانون..دستور يكفل لهم حرية الفكر والتعبير، وحرية العقيدة والعبادة، وحرية اختيار المهن والعمل، وذلك في حدود القانون والآداب العامة.. دستور يرعى حق أهل كل ملة في أحوالهم الشخصية، ويضمن حقوق أهل المناطق المتخلفة والأقليات، ويرعى مصالحهم الحقيقية، ويكفل استقلال القضاء، كما يكفل سلامة أرض الجمهورية واستقلالها وحق سيادتها وفقا لما جرت عليه الأوضاع الدولية.
وفي تصوره لشكل الدولة أفاد صفي الدين أن الدولة تنقسم من حيث تكوينها إلى؛ دولة موحدة مركزة السلطات، أو مركبة ذات مظهر ثنائي قائم على توزيع السيادة الداخلية بين الدويلات والدولة المركزية فيكون لكل دويلة أو مقاطعة أو ولاية استقلالها الدستوري وتشريعها وقضاؤها الخاص مع فقدانها كقاعدة عامة لسيادتها الخارجية. ومعلوم أن النوع الأول من التكوين أدعى إلى تماسك الدولة عن طريق وحدة الدستور والتشريع فيها، ولكن ربما تقتضي المصلحة بأن تأخذ الدولة بالنوع الثاني الذي هو أشبه بطور انتقالي يطول أمده أو يقصر لينتهي بالوحدة أو الانقسام.
ولعل منظر الدستور الإسلامي الرائد في السودان أحمد صفي الدين عوض كان عندما نشر مقالته تلك بجريدة “الإخوان المسلمون ” بالخرطوم بتاريخ 11 أكتوبر 1956م كان معجبا بالتجارب المعاصرة للنظام الاتحادي “الفدرالي” إقليميا وعالميا ، بل حاول أن يجد لها تأييدا في درس السيرة النبوية ،فهو يحيلنا إلى وثيقة دولة المدينة حيث حفظ لنا التاريخ أقدم وثيقة كتبت في العهد النبوي باعتبارها دستوراً أساسياً يقيم العلاقات بين المهاجرين والأنصار واليهود على قواعد العدل والأخوة الإنسانية والمساواة والتسامح التي بشّر بها الإسلام .
ويرّد صفي الدين على شبهات الفكر الاستشراقي والعلماني فيما يتعلق بالمرأة المسلمة والحقوق الأساسية ،ومركز غير المسلمين، ونظام الحكم، وتجارب الأحزاب السياسية، فيقول إنه ليس من اللائق أن يجوز الفقهاء للمرأة المسلمة أن تفتي وأن تقضي بينما تحرم المساهمة في التشريع بأن تحول دونها ودون الهيئات التشريعية، وليس من المعقول أن يمنح الإسلام المرأة حرية الرأي والتعبير ثم يمنعها حق الانتخاب والذي هو مجرد وسيلة للتعبير.
واليوم مع الدعوات المستمرة لترسيخ معالم الدولة المدنية أو دولة المواطنة نتفهم بوضوح الدعوة الباكرة للرائد أحمد صفي الدين عوض – في تنظيره الباكر لمعالم الدستور الإسلامي مع انبلاج فجر الاستقلال 1956 م- رفضه – والحديث عن مركز غير المسلمين في الدستور الإسلامي – لتسمية مواطني الدولة من غير المسلمين ذميين ومطالبتهم بدفع الجزية مهتديا بالهدي النبوي الشريف، حيث صالح المصطفى صلوات الله وسلامه عليه يهود يثرب ولم يسمهم ذميين ولم يطالبهم بجزية؛ لأنهم لم يقاتلوه ورضوا عن طواعية أن يدخلوا في صلح معه ومن أجل ذلك قال لهم :إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ” ولاريب أننا في ظروف أكثر شبها بالتي أحاطت المسلمين عند بزوغ فجر دولتهم بالمدينة المنورة من التي نزلت فيها آية الجزية ،ولكل ظرف حكمه المناسب له.
وكان من الإشرقات الباهرة لصفي الدين في دعوته الباكرة للاحتكام إلى الدستور الإسلامي في السودان موقفه الإيجابي من وجود الأحزاب السياسية في الدولة قائلا : “بدهي إن أي محاولة لصهر الأحزاب في حزب واحد بالعنف لن يكون إلا مجرد مواصلة السيرفي الطريق الملوث بالدماء؛فلذلك لن يكون هنالك مناص من السماح بقيام الأحزاب السياسية في ظل الدستور الإسلامي شريطة أن تكون مدارس فكرية حتى لا تلجأ للعنف أو تكفير بعضها بعضا حتى يسود العقل والمنطق اللذان ارتكز عليهما الإسلام وحده من بين الأديان.
أحمد صفي الدين عوض رائد في دعوته للاحتكام للدستور الإسلامي مع ميلاد الدولة الوطنية السودانية المعاصرة في فجر الاستقلال 1956 م ..نادى مفعما بروح الإسلام في إقرار دعائم العدل بالدعوة الباكرة إلى استقلال القضاء وإلى ضرورة فصل السلطات الدستورية : السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية والسلطة القضائية .
ولصفي الدين جرأته – مع أدبه الجم – في إقامة الحجة بالحجةعلى بعض دعاة عصره من أمثال السيد أبي الأعلى المودودي – أمير الجماعة الإسلامية بالباكستان – حيث اعترض في كتابه “نظرية الإسلام السياسية” على وصف نظام الحكم في الإسلام بالديمقراطية ،أما صفي الدين – فمع إجلاله للمودودي لسابقته وجهاده العظيم في سبيل نصرة الإسلام- إلا أنه اختلف معه في تحليله واستنتاجاته؛ لأن مدلول كلمة الشعب –عند صفي الدين – يتغير تبعا لفلسفة الحكم ، وبهذا التعريف ينتفي احتمال سن أي قانون يتعارض مع الشرع ؛ لأنه لو حدث ذلك وقبله الناس جميعا فقد زال عنهم الاتصاف بالشعب في نظر الإسلام ولا يضرون إلا أنفسهم ، ولايعقل البتة أن ترتضي نفس المؤمن أو يسوغ له عقله إلا ما يرضي الله ورسوله .وعليه فلا حرج لو قلنا إن الشعب المسلم هو مصدر السلطات جميعها ؛لأن العقل المسلم لا يمكن أن يحيد عن شرع الله ،ومن حاد عقله عن ذلك فهو ليس بمسلم وليس بداخل في مفهوم الشعب.
——
(*) المقالات المنشورة بالطابية: تعبّر عن رأي كاتبها، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي الموقع.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى