تقاريرسياسة

تهديد وزير التربية بتجميد العام الدراسي مقابل تجميد المنهج الجديد..”الثور في مستودع الخزف”

تقرير : نجاة حاطط
أثارت القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك القاضية بتجميد العمل بالمنهج الجديد – والمطروح حاليا من قبل مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي د. عمر القراي- أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط المختلفة، فقد اعتبر كثير من القوى الإسلامية والتربويين، قرار حمدوك وأداً للفتنة التي أخذت تطل برأسها، خاصة وأن هناك من يظن أن هناك حملة ممنهجة للمساس بالدين، تؤكدها إضافة لوحة “الخلق” لمايكل أنجلو لمنهج التاريخ للصف السادس والتي تجسد الذات الإلهية، حيث اعتبرها مجمع الفقه الإسلامي مسيئة للدين وتجسيداً للذات الإلهية، بالإضافة كثير من الأخطاء والتشوهات التي وردت بالكتاب، الذي أصدر المجمع فتوى رسمية بتحريم تدريسه.
فيما اعتبرت بعض الأحزاب والقوى العلمانية قرارات تجميد العمل بالمنهج الجديد نكوصاً واضحاً عن متطلبات الثورة، معتبرين أن المنهج الحالي يعبر عن أفكار النظام البائد وأيدولوجياته ولا يلبي روح التقدم والتطور العلمي إضافة إلى كون قرارات حمدوك تأتي كردة فعل لما سموه بمطالبات الجماعات الإسلامية.

مشورة:
وإثر تصاعد وتيرة الخلافات في قضية المناهج بين مدير المناهج ومجمع الفقه الإسلامي ومن خلفه مختلف الطوائف والقوى الإسلامية، إضافة لتصريح عضو لجنة المؤلفين بأن محتويات كتاب التاريخ ليست هي التي اعتمدتها اللجنة، فقد التقى رئيس الوزراء بطيف واسع من الأكاديميين والتربويين والطوائف الدينية – والتي شملت هيئة الختمية، وهيئة شؤون الأنصار، وجماعة أنصار السنة المحمدية، والإخوان المسلمين، ومجمع الفقه الإسلامي – إضافة إلى عدد مقدر من القساوسة الذين يمثلون الطوائف المسيحية المختلفة بالسودان وذلك لمشاورتهم في أمر المنهج الجديد، وبعد ذلك أصدر رئيس الوزراء قرارته القاضية بتجميد العمل بالمقترحات المطروحة حاليا من إدارة المركز القومي للمناهج والبحث التربوي.

مبررات القرار:
وبرر حمدوك قراراته تلك بأن قضية إعداد المناهج هي قضية تحتاج إلى توافق اجتماعي واسع مشيراً إلى أنها قضية قومية تهم الجميع، وأشار حمدوك إلى ضرورة أن تستند المناهج التربوية على المنهج العلمي الذي يشحذ التفكير وينمي قدرات النشء مضيفا بأن كل المجموعات التي التقاها أمنت على ضرورة تغيير المناهج القديمة الموروثة من النظام البائد بأخرى تتسق مع مبادئ الثورة وموجهاتها.

استقالة مسبّبة:
بعد قرارات حمدوك القاضية بتجميد العمل بالمنهج الجديد دفع مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي د. عمر القراي باستقالته والتي عزاها إلى أنه يستمر في حكومة رضخت لضغوط من وصفهم بفلول النظام المدحور ومن سماهم ب”قوى الهوس الديني” والتطرف الأعلى، وانتقد القراي مشورة حمدوك للصوفية والختمية والأنصار وأنصار السنة والإخوان المسلمين حول المنهج لافتا إلى أن حمدوك كان الأجدر به أن يتشاور معه في قضية المناهج باعتباره مدير الإدارة هذه المعين من قبله، وتساءل القراي عن ماهية التفاصيل التي شاور فيها رئيس الوزراء هذه الجماعات إلا إذا كانت مشورته لهم حول الأثر السياسي والاجتماعي والمعاني الوطنية العامة التي يجب أن يحتويها المنهج باعتبار أن المشاورين هولاء ليسوا خبراء في المناهج، أما إذا كانت المشورة لأسباب سياسية فتساءل القراء لما لم تتم دعوة الشيوعيين والبعثيين والجمهوريين والناصريين.

تلويح بالاستقالة
وفي ردة فعل أخرى لقرارات حمدوك القاضية بتجميد العمل بالمنهج الجديد لوح وزير التربية والتعليم البروفيسور محمد الأمين التوم باستقالته، وأرجأ اتخاذ أي قرار لحين استلام رد من رئيس الوزراء على استيضاحه بشأن تجميد المناهج. وقال التوم خلال مؤتمر صحفي إنه طالع بيان رئيس مجلس الوزراء بخصوص المناهج وبعث بمذكرة لرئيس الوزراء طالبا منه بعض الإيضاحات، وأرجأ اتخاذ أي موقف حتى يتم الرد من رئيس الوزراء، مضيفا أنه سيتخذ الموقف المناسب على ضوء رد رئيس الوزراء.

هجوم عنيف
وفي ردة فعل أخرى لقرارات حمدوك كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو قد شنت هجوما عنيفا على قرارات رئيس الوزراء القاضية بتجميد العمل بالمنهج الجديد واعتبرت قرارات حمدوك تواطؤا من الحكومة الانتقالية مع سمتهم الحركة ب”تيارات الإسلام السياسي، وأن تهاون القوى السياسية والمدنية في حسم مسألة” علمانية الدولة” هو الذي شجع ما سمتهم ب”المتطرفين “للتكشير عن أنيابهم، وهددت الحركة بأن مثل هذه القرارات تقلل من فرص الاستقرار والوحدة الوطنية مضيفة بأن العلاج الجوهري لمثل هذه الخلافات يتمثل في تطبيق العلمانية، على حد قولها.

هيمنة
واعتبرت الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال تجميد المناهج رضوخاً لضغوط التيارات والكيانات الدينية متمثلة في “المجمع الصوفي، هيئة الختمية، هيئة شؤون الأنصار ، جماعة السنة المحمدية، الإخوان المسلمين بالإضافة لمجمع الفقه الإسلامي” مضيفة بأن قرار تجميد المناهج دفع مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي للدفع باستقالته وجعلت وزير التربية والتعليم يلوح باستقالته هو الآخر واعتبرت الحركة استشارة الهيئات والتنظيمات والكيانات الدينية هذه دون غيرها يؤكد استمرار هيمنة ما سمتها ب”القوى الماضوية ” مضيفة بأن التوجهات الأصولية لا زالت تلعب دور المرشد في صياغة ورسم السياسات التي تضمن استمرار الأزمة في كآفة المجالات.

نفي
من مقر إقامته بالإمارات العربية المتحدة حيث يجري فحوصات طبية – نفى رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك إن يكون قد أصدر قراراً بتجميد العمل بالمنهج الجديد بالكلية مضيفاً بأن تجميد العمل بالمناهج الجديدة يأتي بغرض التنقيح وليس إلغاءها تماماً.

قضية فنية:
لفت المحلل السياسي والكاتب الصحفي عبدالباقي الظافر إلى أن قضية المناهج هي في الأساس قضية فنية توافق عليها التربويون والاكاديميون بغرض الوصول لمخرج جيد وأشار الظافر لدى حديثه لشبكة الطابية للأخبار “إلى أن رئيس الوزراء تصرف بحكمة بعد أن تباينت الأراء من قبل قوى سياسية ودينية ومجتمعية بشأن المنهج الجديد مضيفاً أن كل هذه الأصوات جعلت رئيس الوزراء يستجيب لها ويجمد المقترحات بعد أن أوكل المهمة لتربويين وللجنة فنية مختصة، مؤكداً أن هذا الأمر في تقديره اتجاه صحيح. وأضاف الظافر بأنه لم يكن من الحكمة أن يبرر رئيس الوزراء موقفه ويقول التقيت بزيد أو عبيد خاصة أن القضية أثارت الكثير من وجهات النظر، وكان يمكنه أن يقول لمزيد من التشاور فأننا سنخضع المناهج للمزيد من التمحيص والتشاور.

رسالة متعالية:
وعلق الظافر على الرسالة التي أرسلها مدير المناهج إلى رئيس الوزراء مشيرا إلى أنها رسالة تحمل الكثير من التعالي، واتسمت بالشدة مع رئيس الوزراء، كما اتصفت بطريقة تنقصها الحكمة والحنكة والخبرة الإنسانية، وأشار الظافر إلى أن الطريقة التي أدار بها القراي ملف المناهج بها العديد من التحفظات ولم تكن بالطريقة المثلى فهي طريقة بها عنف لفظي مع الخصوم والدخول في معارك معهم واستفزازهم.

تباين:
وأضاف الظافر بأنه صحيح أن المناهج الجديدة رفضها تيار معين ولكن في المقابل هناك تيارات سياسية وافقت عليها مثل المؤتمر السوداني و الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ولكن التأييد جاء ليس بالتأييد المطلق مقابل رفض واسع لكيانات وتيارات سياسية أخرى وهو الأمر الذي أخرج قضية قومية من سياقها وجعل منها قضية سياسية، الشيء الذي يصعّب المهمة على الذي سيأتي بعد القراي وبعد وزير التربية إذا قدم استقالته، وأضاف الظافر أن هذا التباين أخرج قضية فنية كان يمكن أن يكون حولها إجماع كبير وجعل منها قضية سياسية، فهناك من يقول إن المناهج يراد بها إعادة كتابة التاريخ بشكل غير متفق عليه، وهناك من يعتبر تغيير المناهج به نوعاً من المخالفات الشرعية، وهناك من يعتقد بأن المنهج الجديد به جرعة عالية من الليبرالية.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى