كاتب ومقال

حسن عبد الحميد يكتب .. رحيل الإمام الصادق المهدي.. محطات ودروس

حسن عبد الحميد

انتقل إلى رحمة ربه فجر الخميس السادس والعشرين من نوفمبر2020م الإمام الصادق المهدي؛ آخر قادة جيل ما بعد الاستقلال، عن عمر يناهز الخامسة والثمانين متأثراً بداء الكورونا، وبرحيله يفقد السودان ابنا باراً من أبنائه الحادبين على المصالح الوطنية، وسياسيا محنكاً، ومفكراً غزير الإنتاج، ولا يفقده السودان فحسب، بل تفقده كل الأمة العربية والإسلامية التي كان مرابطا على أهم قضاياها وحارسا لثغراتها، وقد سجل آخر حياته موقفا مبدئياً رافضاً لموضوع التطبيع مع العدو الصهيوني، فختم بذلك مواقفه القومية والإسلامية بأنصع موقف وأنبل قرار.
وعلى طريقة الراحل في التصنيف والترقيم والتبويب؛ نحاول أن نتحدث عنه في هذه العجالة من خلال ثلاث زوايا، وأربع محطات، وخمس عبر ودروس.
الزاوية الأولى زاوية الإمام السياسي؛ معارضا وحاكما، فقد كان من قدره أن يعارض ثلاث أنظمة عسكرية حكمت السودان، ففي بداية العشرينيات من عمره وهو لمّا يزل يافعا في شبابه الباكر، واجه مع والده الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود (1958ـ 1964م)، وفي مرحلة أخرى من مراحل شبابه وفي كهولته نازل نظام المشير النميري (1969 ـ 1985م)، ثم في مرحلة أخرى من مراحل كهولته وفي شيخوخته ناضل ضد النظام العسكري الثالث بقيادة المشير البشير (1989 ـ 2019م)، وفي كل هذه المراحل لم تلن له قناة في مواجهة الأنظمة العسكرية، بل لعله السياسي الوحيد الذي لم يتولَ منصبا تنفيذياً في ظل نظام عسكري، فلم يرض أن يكون وزيراً أو سفيراً أو والياً أو غيرها من المناصب التنفيذية في ظل أي نظام عسكري، صحيح أنه صالح النميري، ثم عاد فعارضه، وصالح البشير ثم عارضه، لكنه في الحالتين لم يرض أن يتولى منصبا تنفيذيا في النظامين العسكريين.
وفي آخر عهد الإنقاذ التقيته مع وفد من الإخوان المسلمين بمنزله بالملازمين، فقال لنا إن البشير قد أرسل إليه مصطفى عثمان إسماعيل عارضا عليه أن يكون رئيسا للوزراء لكنه رفض مؤكداً أنه لن يتولى أي منصب تنفيذي في ظل نظام عسكري.
أما الصادق المهدي حاكماً، فالمعروف أنه تولى رئاسة الوزراء مرتين، مرة في منتصف الستينيات بين عامي 1966م و1967م، أيام الديمقراطية الثانية، ومرة ثانية في الديمقراطية الثالثة إذ قضاها كلها ـ عدا الفترة الانتقالية ـ رئيساً للوزراء في الفترة من 1986م إلى 1989م، وفي المرتين كانت الظروف السياسية المحيطة بالغة التعقيد، لكنه لم يؤثر عليه كبتا للحريات أو انتهاكاً لحقوق الإنسان، بل لعل مبالغته في السماحة والتجاوز ومحاولة استيعاب الآخر هي التي أودت ـ ضمن أسباب أخرى ـ بالديمقراطية الثالثة.
الزاوية الثانية للصادق المهدي كونه مفكراً، فقد أثرى الساحة الفكرية بعشرات الكتب، ومئات الأوراق الفكرية، وآلاف الصفحات في شتى مجالات المعرفة، حتى أنه ألف حول الفكاهة، والرياضة، وتناول العديد من المواضيع الفكرية والسياسية الشائكة.
وتختلف مع الإمام الصادق المهدي أو تتفق، لكنك لا تملك إلا أن تحترمه لعمق فكره ونصاعة عبارته وسعة ثقافته وعفة قلمه عن المهاترات والإساءات، وفي آخر مرة زرته في منزله خلال العام السابق 2019م أهداني كتابه الضخم ( الدين والفلسفة)، وللأسف فإن معظم كتبه غير مقروءة في السودان، خاصة من أبناء الجيل الجديد، وهو جهد ينتظر أبناءه وطائفة الأنصار للتعريف بالتراث الضخم الذي خلفه الفقيد الراحل.
والزاوية الثالثة للإمام الصادق المهدي كونه زعيماً لطائفة الأنصار وإماما لها، والمعروف أن جده الإمام عبد الرحمن المهدي قد جدد في المهدية، وأسس ما أطلق عليه المهدية الجديدة، لكن الإمام الصادق المهدي قد مضى أشواطاً في تجديد المهدية بثقافته الواسعة، وصبره ودأبه، ومواقفه السياسية، ومبادراته الكثيرة، واهتم كثيرا بهيئة شؤون الأنصار بقيادة الدكتور الخلوق عبد المحمود أبّو لتهتم بالشؤون الفكرية والثقافية، بينما يهتم حزب الأمة بالشؤون السياسية.
أما المحطات الأربع التي يمكن أن نتوقف فيها سريعا في هذه العجالة، فهي محطتان؛ بصفته معارضاً لنظام النميري، ومعارضاً لنظام البشير، ومحطتان؛ بصفته رئيساً للوزراء في الستينيات من القرن الماضي، ورئيساً للوزراء في ثمانينيات القرن الماضي.
في معارضته لنظام جعفر نميري قام الصادق المهدي بالاشتراك مع الشريف حسين الهندي والترابي بتأسيس الجبهة الوطنية التي تولت زمام المعارضة السياسية والعسكرية لنظام نميري، وكادت أن تسقطه عسكرياً في عملية جريئة في الثاني من يوليو 1976م، لولا بعض الأخطاء العسكرية واللوجستية التي وقعت فيها الحركة، وهي الحركة التي حوكم فيها الإمام الصادق المهدي غيابيا وحكم عليه بالإعدام، ولكنه عاد وصالح نظام النميري في العام التالي 1977م، وانخرط في الاتحاد الاشتراكي الحزب الوحيد لنظام مايو، لكنه ما لبث أن استقال من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي عام 1979م، عندما وافق نظام النميري على كامب ديفيد والصلح بين مصر و(إسرائيل)، وتشاء الأقدار أن يختم الإمام الصادق المهدي حياته السياسية معارضا للتطبيع مع العدو الصهيوني مقاوما للتطبيع! وقد انسحب الإمام الصادق المهدي الشهر الماضي أكتوبر 2020م من مؤتمر نظمته وزارة الأوقاف السودانية احتجاجا على موضوع التطبيع، وظل الإمام الصادق المهدي معارضا لنظام النميري إلى يوم الجمعة الخامس من أبريل 1985م حينما صلى الجمعة بمسجد الأنصار بودنوباوي مرددا معارضته لنظام النميري الذي انهار في اليوم التالي، السادس من أبريل 1985م.
أما المحطة الثانية لمعارضته فكانت معارضته لنظام الإنقاذ، وهي بداخلها محطتان للمعارضة، الأولى من بداية انقلاب الإنقاذ عام 1989م إلى عام 2000م حينما وقع مع النظام اتفاق نداء الوطن وعاد بموجبه إلى السودان ليمارس عمله السياسي من الداخل، ومحطته الثانية لمعارضة الإنقاذ بعد ما سمي بحوار الوثبة عام 2014م إذ أعلن في تصريحات صحفية معارضته لسياسات نظام الإنقاذ مما قاد إلى اعتقاله، ثم خروجه معارضا بالخارج، إلى أن عاد أواخر عام 2018م ليشهد انهيار نظام الإنقاذ أوائل عام 2019م.
أما محطاته كحاكم فكانت الأولى عام 1966م حينما تم انتخابه رئيسا للوزراء إثر انشقاق حزب الأمة إلى جناحين؛ جناح بقيادته، وجناح آخر بقيادة عمه الإمام الهادي، وقد كان حينها في الثلاثين من عمره، وخبرته السياسية ضئيلة مقارنة بخصومه السياسيين من ذوي الخبرة والتجربة حينها كالزعيم الأزهري، ومحمد أحمد المحجوب، ومن المعروف أن خصومه قد استطاعوا الإطاحة به بعد تسعة شهور من توليه رئاسة الوزراء، إذ قام الزعيم الأزهري بحل الجمعة التأسيسية ودعا لانتخابات جديدة تمخضت عن سقوط الإمام الصادق المهدي وحرمانه من مقعده البرلماني، وعاد محمد احمد المحجوب لمقعده رئيسا للوزراء إلى نهاية الديمقراطية الثانية في العام 1969م بانقلاب العقيد جعفر نميري.
أما محطته الثانية للصادق المهدي الحاكم، فكانت في ثمانينيات القرن الماضي في الفترة من 1986م إلى العام 1989م، وهي كل الفترة الديمقراطية الثالثة، وقضاها الإمام الصادق المهدي كلها رئيسا لوزراء خمس حكومات، إلى أن أطاح به العميد البشير في الثلاثين من يونيو 1989م، وهي المرحلة التي شهدت معارك سياسية وعسكرية ضارية، ففي الناحية العسكرية تمدد التمرد بقيادة جون قرنق وأسقط المدن وهدد عاصمة الجنوب جوبا، وفي الناحية السياسية كاد قرنق أن يصل القصر الجمهوري إثر اتفاق (الميرغني – قرنق) في نوفمبر 1988م، وهو الاتفاق الذي عارضه الإمام الصادق المهدي لخطورته، وأدى لسقوط الائتلاف بينه وبين الحزب الاتحادي الديمقراطي، وصعود الجبهة الإسلامية القومية مشاركاً قويا في السلطة، ثم إزاحتها بالقوة عن السلطة عن طريق اتفاق القصر الذي أتى بآخر حكومات الديمقراطية الثالثة، وهو ما أدى، ضمن أسباب أخرى، إلى انهيار الديمقراطية الثالثة التي واجه الإمام الصادق المهدي خلالها أوضاعاً بالغة التعقيد، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، وتمدد تمرد الحركة الشعبية، مما أدى لانهيار الديمقراطية الثالثة.
أما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من حياة الإمام الصادق المهدي، والتي يمكن أن نمر عليها سريعا في هذه العجالة، فأولها الثبات الذي تميز به الإمام الصادق المهدي كما مر بنا في مواجهته للأنظمة العسكرية المتعاقبة، وثباته على رؤاه الفكرية والسياسية طيلة حياته، ولعل آخرها وأعظمها موقفه من التطبيع مع العدو الصهيوني الذي أعلن معارضته له حتى آخر يوم في حياته.
الدرس الثاني المثابرة التي تميز بها الإمام الصادق المهدي، فرغم أنه سليل بيت عريق في السودان، ورث أموالا وأمجادا كثيرة، إلا أنه لم يكتفِ بما ورثه، بل أضاف إليه بمثابرته ومصابرته أمجادا تفرد بها وخصالا تميز بها، وكثيرون هم أحفاد الإمام المهدي، لكن يظل الإمام الصادق المهدي أشهرهم وأبرزهم وألمعهم، وذلك بفضل مثابرته ومصابرته ودأبه واجتهاده.
الدرس الثالث الأصالة التي تميز بها الإمام الصادق المهدي، حتى في ملابسه وزيه حرص الإمام الصادق المهدي أن يظهر بالجلباب والعمامة رمزا للأصالة وابن البلد، لكن الأصالة ظهرت كثيرا في مؤلفاته، فقد وقف موقفا رافضا للعلمانية، ومدافعا عن دور الدين في الحياة العامة، وحرص على إمامة الصلاة في مسجد الأنصار بودنوباوي كلما سمحت له الظروف بذلك، والأصالة درس اصيل في حياة الإمام الصادق المهدي لا يمكن إغفاله أو تجاوزه.
والدرس الرابع المواكبة والمعاصرة التي تميز بها الإمام الصادق المهدي، فلم ينكفئ، على حد تعبيره، على التراث وإنما هضم علوم عصره، وتابع ثقافته، يساعده اتقانه للغة الإنجليزية، فكان مواكبا لكل قضايا عصره، وتجد في خطاباته وكتبه معلومات غزيرة وحديثة ومواكبة ويشير ذلك إلى درس المواكبة والمعاصرة للإمام الصادق المهدي الذي لم تحجبه الأصالة. الدرس الخامس سعة صدر الإمام الصادق المهدي، وسماحته، وعفوه عمن ظلمه، وتجاوزه عن الخوض في صغائر الأمور، فالإمام الصادق المهدي لعله من أكثر الزعماء السياسيين الذين تعرضوا للظلم، سواءً كان من الساسة أو من الصحفيين والإعلاميين، لكنه لم يعهد عنه رداً قاسيا ونابياً على أحد معارضيه، بل كان بالعكس يسارع إلى التجاوز والصفح والعفو والإعراض عن الانتقام والتشفي رغم أنه كان يستطيع فعل ذلك ويسانده القانون والعرف العام، لكنه ترفع وسما ووسع صدره لكل الناس مخالفين وموالين، ولعل داره كانت مزارا للكثيرين من الموالين له والمعارضين، والكل كان يجد سعة في الصدر قبل سعة الدار، وتجاوبا ومحاولة للمِّ الشمل والاتفاق على المشتركات بدلا من الاختصام حول الاجتهادات.
رحم الله الإمام الصادق المهدي وتجاوز عنه.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى