كاتب ومقالمقالات

الرأسمالية تحرق العالم والخلافة تنقذه

أ. ناصر رضا محمد عثمان

في آذار/ مارس 1924م استطاع الغرب الكافر، وبأيدي الخونة من العرب والترك هدم الخلافة؛ أم المسلمين الرؤوم، تلك الدولة التي أسسها النبي ﷺ ثم قادها الخلفاء الراشدون من بعده، ثم تعاقبت العصبات القوية تحكم في ملك عضوض تقيم الدين وتحمله إلى العالمين في خلافة منقوصة، مجروحة لكنها توحد المسلمين، وتذود عن حياضهم ومقدساتهم. ثم تكالبت عليها قوى الشر وخونة الداخل حتى أسقطوها، وفرقوا حكمها وبلادها إلى دويلات كرتونية لا حول لها ولا قوة، دويلات خاضعة ذليلة لعدوها، قاهرة لشعوبها، استباحت مقدسات الأمة وأرضها وكرامتها، وثرواتها في أكثر من ست وخمسين دويلة، وما زال حبل التمزيق على الجرار، ولا يزال يتسلط الحكام العملاء على رقاب الأمة، وهم غارقون في الفساد والإفساد. ففي تقرير لمجلة فورين بوليسي في سنة 2011م أشارت إلى أن ثروة العائلة المالكة في السعودية بلغت 1.4 تريليون دولار، أما ملك المغرب 5.7 مليار دولار، وأن أغنى الرؤساء في العالم هم من حكام المسلمين.

خرب هؤلاء الحكام البلاد وقتلوا العباد في أفغانستان وليبيا وسوريا واليمن والعراق والسودان وغيرها حيث قتل أكثر من 2 مليون شخص في حرب جنوب السودان، و300 ألف في حرب دارفور و384 ألف قتيل في سوريا، وبحسب تقرير المرصد السوري في 2020م، فإن العدد بلغ 585 ألف قتيل. وأفقر هؤلاء الحكام البلاد والعباد، حيث جعلوا ثروات الأمة في يد الكافر المستعمر، فهي عصية على أبناء المسلمين، ولا يسمح لهم بأخذ نصيبهم منها، وإن امتدت يدهم إليها تغتالهم يد الغدر والخيانة، فانتشرت البطالة حتى وصلت مستويات مخيفة، وأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق، فكثرت هجرة الشباب فراراً من الفقر والقهر والظلم، وقدر عدد المهاجرين في استطلاع أجرته شبكة الباروميتر العربي لصالح البي بي سي عام 2019، أن نصف عدد الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة يرغبون في الهجرة، فمنهم من ابتلعتهم رمال الصحراء، أو مياه البحار، ومن عبر منهم ارتمى في أحضان مجتمعات الشر والرذيلة، فكان حالهم كالمستجير من الرمضاء بالنار… وكثرت حالات الطلاق بسبب غياب الزوج، أو عدم القدرة على الإنفاق.
واتباعاً لشهوة السلطة والحكم، قام هؤلاء الحكام الرويبضات بكل رذيلة، وذبحوا كل فضيلة مهراً لكرسي الحكم، وأيضاً من قبيح فعالهم إثارة النعرات العنصرية والقبلية، وإشعال الحروب الطائفية والمذهبية، استجابة لكيد الكافر المستعمر وخطته الجهنمية في إضعاف الأمة الإسلامية وإفقارها، تمهيدا للقضاء عليها، حيث قدم اليهودي برنارد لويس الملقب بسياف الشرق الأوسط، قدم في جلسة سرية للكونغرس الأمريكي سنة 1983م خطة لتمزيق بلاد المسلمين تقضي بتقسيم المقسم، وتفتيت المفتت في اتفاقية سايكس بيكو، عبر إثارة الحروب العنصرية والقبلية والمذهبية، تفضي إلى رسم حدود جديدة لدول جديدة، عرفت فيما بعد بحدود الدم؛ دماء المسلمين على يد بعضهم بعضا (السودان، اليمن، العراق، ليبيا…).
أما القضاء على الأمة الإسلامية، فلا يكون بإبادة المسلمين، فهذا لن يكون، رغم حروب الإبادة التي تمارس ضد المسلمين في العالم (البوسنة والهرسك، الروهينجا، الإيغور، أفريقيا الوسطى، الحروب الداخلية)، وإنما يكون بالقضاء كذلك على سر وجودها وبقائها بوصفها أمة إسلامية تملك عقيدة سياسية كما هي عقيدة روحية. فإن حيوية الأمة، والسبب في أنها عصية على الكافرين وقيمهم هو عقيدتها سر حياتها، إذ إن العقيدة الإسلامية جاءت بمفاهيم عن الحياة، وقدمت أنظمة لجميع شئون الحياة، لذلك تصطدم وتتضارب مع الحضارة الغربية، حين يحاول الغرب إدخالها إلى بلاد المسلمين، بل الحضارة الغربية تنهزم الآن في الداخل الأوروبي وفي قلب أمريكا أمام الحضارة الإسلامية بعد أن عجزوا عن دمج أبناء المسلمين داخل مجتمعاتهم، بل بدأ التحول نحو الإسلام، الدين الأكثر انتشاراً في العالم رغم غياب دولة تطبقه وتحمله إلى العالم.
أصبح الإسلام بعبعاً يخيف الرأسمالية الخبيثة، فبدأت بتجييش جنودها لتخويف شعوبها من الإسلام، وذلك بوصفه بالعنف والقتل والهمجية فيما يعرف بالإسلاموفوبيا، أو (الإرهاب الإسلامي)، وبخاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، والتي كانت من أعظم ذرائع الهجوم العسكري على البلاد الإسلامية في العصر الحديث، حيث عبر الرئيس الأمريكي حينها جورج بوش عما في نفسه فأعلن أنه يقوم بحرب صليبية ضد البلاد الإسلامية، فاستنفرت الحكومات الغربية أجهزتها الأمنية والاستخباراتية لمراقبة أنشطة المسلمين، والتجسس على تحركاتهم، ووضعت المساجد والجمعيات تحت المراقبة والتتبع، بل حتى في بلاد المسلمين وضعت الدول الغربية استراتيجيات لمواجهة الإسلام بما يسمى مكافحة الإرهاب والتطرف.
أيها الحالمون، النائمون على خطوط النار الأمامية، أيها المسلمون أفيقوا، فإنكم في خضم حرب ضروس لاستئصالكم والقضاء على دينكم وهويتكم، فقد قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي عند انهيار الاتحاد السوفيتي: “لم يبق أمامنا من عدو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي إلا الإسلام”.
وفي شباط/ فبراير 2015م، عقد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مؤتمرا في واشنطن لمكافحة التطرف والإرهاب، حيث أعلن فيه أن أمريكا، كما تخوض حرباً في البر والبحر والجو، فإنها تقود حرب العقول والأفكار، وهو ما تمخض عنه لاحقاً، إبان زيارة ترامب المشؤومة إلى بلاد الحرمين، إنشاء مركز (اعتدال) لمكافحة الإرهاب، والذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي حينها تيلرسون سنة 2017م، ويهدف إلى تغيير المناهج والكتب الدينية، وإعداد وتدريب الخطباء والأئمة والدعاة على الطريقة الأمريكية وبالإسلام الأمريكي، حيث قال رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جيمس وولسي في 2006م “سنضع لهم إسلاما يناسبنا، ثم نجعلهم يقومون بالثورات، ثم يتم انقسامهم عن بعض بنعرات عصبية، ومن بعدها قادمون وسوف ننتصر”.
وفي 25/12/2020 دعا وزير الشئون الدينية والأوقاف السوداني نصر الدين مفرح، بالإسكندرية ضمن افتتاح معسكر أبو بكر الصديق التثقيفي للأئمة السودانيين والمصريين، دعا الوزير الدارسين لانتهاج مبدأ الوسطية والاعتدال للتصدي للغلو والتطرف، ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
إن الحرب على الإسلام والقرآن والنبي ﷺ مستمرة، وبأشكال مختلفة، منها حرق القس الأمريكي تيري جونز نسخة من المصحف الشريف بكنيسة بولاية فلوريدا في آذار/مارس 2011، ثم قيامه بمسيرة ضد الجهاد والشريعة في نيسان/أبريل 2011، وكذلك فلم (فتنة) للنائب الهولندي الذي تم بثه في 2008 الذي هاجم فيه القرآن الكريم وانتقد فيه ما أسماه أسلمة أوروبا.
وفي عام 2012 الفلم المسيء لمقام الرسول ﷺ، وكذلك الرسوم المسيئة للنبي الكريم… وأيضاً صور القتل والتنكيل بالمسلمين… كلها تهدف إلى هزيمة المسلمين النفسية وكسر عزيمتهم وكبريائهم حتى يبقوا عبيدا خاضعين.
والآن يمكن أن نسأل بوضوح ماذا خسر العالم بغياب الخلافة وسيطرة الرأسمالية؟

1- خسر العالم الطمأنينة:
– ففي الحرب العالمية الثانية قتل أكثر من 70 مليون نسمة جراء الجشع الاستعماري، ومنذ العام 1945 عاش العالم أكثر من 250 استخداما للقوة العسكرية، وكانت نسبة 92% منها حروباً بين دول العالم الثالث.
– استعمال أسلحة الدمار الشامل (هيروشيما، ناجازاكي، العراق، البوسنة والهيرسك) حيث الإبادة والتشوهات، وما زالت الأجنة والمواليد يولدون بتشوهات خلقية.
– التجسس والمراقبة حيث لا خصوصية ولا كرامة.

2- خسرت الشعوب حقها في التعبير عن إرادتها في اختيار من يحكمها، وفي التمتع بثرواتها:
– تم فرض الديمقراطية حيث يتلاعب أصحاب الأموال بالشعوب وتزييف إرادتها بالديمقراطية الكاذبة، فباسم حكم الشعب يقوم أصحاب الأموال بتمويل العمليات الانتخابية والتلاعب بمشاعر الناس وتسخير الإعلام المأجور بتلميع من يريدونه ثم سَوق العامة لصناديق الاقتراع كالغنم. وقد انكشفت تلك الحقيقة عندما رأى الناس حكاماً مثل ساركوزي، وترامب، وبلير، على رأس أعرق وأكبر الديمقراطيات في العالم، فخرج الناس لحرق مراكز الاقتراع في فرنسا، واقتحموا البيت الأبيض رفضاً للانتخابات ونتائجها، ووُصف بلير بعميل الأمريكان.
– في العام 2010 عقب الأزمة المالية العالمية حيث يولد النظام الرأسمالي الأزمات، خرجت ألف مدينة في أكثر من 81 بلدا في العالم تطالب بالانعتاق السياسي من الرأسماليين، وبحق الشعوب في اقتسام ثرواتها، وتطالب بسقوط الرأسمالية وزيف الديمقراطية.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل من أمل لشعوب الأرض للانعتاق من سيطرة الرأسمالية؟
نعم إن عودة الإسلام إلى السياسة الدولية، وإلى معترك الحياة هو الأمل الوحيد، بل هو الأوحد في القضاء على الرأسمالية المتوحشة، وانعتاق شعوب الأرض من الاستبداد والاستعباد، وذلك لن يكون إلا بعودة الخلافة من جديد لتشرق الأرض بنور ربها، فتبدد عهود الظلم والاستبداد والاستكبار العالمي لدول الشر، لذلك فقد جندت الدول الاستعمارية جيوشاً من العملاء والخونة المضبوعين بالثقافة الغربية في بلاد المسلمين للحيلولة دون قيام الخلافة، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

إنضم الى احدى مجموعاتنا على الواتس
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق